غزة المظلومة مرتين بين الاسرائيلي والإيراني !
فجر الجمعة، وبعد طول انتظار، صدر عن مجلس الامن القرار 1860 الداعي الى وقف النار في غزة، وكانت الدول الغربية تناور إما لادخال تعديلات عليه، وإما لتأجيل التصويت عليه اياما لمنح الاسرائيليين فرصة زمنية اضافية لتحقيق اكبر قدر من التقدم على الارض، وفرض حقائق جديدة تضاف الى تلك التي فرضتها منذ 27 كانون الاول 2008. كان معلوما ان الاسرائيليين سيسارعون الى رفض القرار على قاعدة انه يدعوهم الى التوقف الفوري عن اطلاق النار ويقطع عليهم الطريق لمزيد من القتل والتدمير في القطاع، كما يحرمهم، لو دخل حيّز التنفيذ، فرصة تحقيق جميع الاهداف المرسومة التي لم يجر الافصاح عنها دفعة واحدة على النحو الذي حصل في حرب تموز 2006. في النهاية رفضته "حماس" قبل ان ترفضه اسرائيل على لسان وزيرة خارجيتها تسيبي ليفني!
وسبق القرار 1860 طرح مصر مبادرتها المشتركة مع الفرنسيين والتي لم تقبلها اسرائيل من دون ان ترفضها صراحة، بحجة الحاجة الى البحث في التفاصيل، والآليات التنفيذية مع القيادة المصرية. ولكن "حماس" وجميع الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق رفضتها صراحة، وارسلت وفدا للبحث مع المصريين في التفاصيل من دون ان تتوقف الحملة الدعائية على مصر!
وللتذكير: فيما كانت اسرائيل تشن حربها على غزة كانت القوة الدولية في لبنان تكتشف بطارية صواريخ كاتيوشا معدّة للاطلاق في الجنوب. وفي اليوم الذي كان مجلس الامن يبحث في قرار وقف اطلاق النار، كانت صواريخ "مجهولة معلومة" تنطلق فجأة نحو شمال اسرائيل، ورئيس مجلس الشورى الايراني السيد علي لاريجاني يجول بين دمشق وبيروت بعد يومين على جولة مسؤول ايراني رفيع آخر هو امين المجلس الاعلى للامن القومي سعيد جليلي!
وفي النهاية رفضت "حماس" و"الجهاد الاسلامي" القرار الاممي واكملت اسرائيل تصعيد حملتها العسكرية البرية، ومعها يستمر مسلسل الموت والدمار لأهل غزة !
إن هذه العناصر تستدعي جملة من الاسئلة:
– لماذا رفضت "حماس" المبادرة المصرية والقرار 1860؟
– لماذا لم تنتظر الموقف الاسرائيلي قبل ان تعلن عن رفضها المبادرة والقرار؟
– لماذا لم تحاول "حماس" نزع الذرائع الاسرائيلية في معركة العلاقات العامة التي تخوضها ضدها، فلا تعلن اقله عن رفض متسرع للقرار 1860 الذي عملت له المجموعة العربية في مجلس الامن وتجعل اسرائيل تبدو وحدها في موقع الرافض لقرار اممي؟
وبناء على ما سبق من اسئلة، نطرح اسئلة اخرى علها تضيء الموقف الحقيقي:
– ماذا فعل امين المجلس الاعلى للامن القومي في ايران سعيد جليلي خلال زيارتيه لدمشق ولبنان؟
– وهل كان ينسق تفاصيل المعركة مع قيادات "حماس" و"الجهاد الاسلامي" وبقية التنظيمات السورية الهوى؟
– لماذا اشتعلت الحملة السياسية والدعائية الايرانية دفعة واحدة ضد مصر انطلاقا من طهران، وحارة حريك في لبنان، و"الجزيرة" في الدوحة؟
اسئلة كثيرة، والمطلوب معرفة حقيقة ما يجري على مستوى من يتخذون القرار داخل حركة "حماس" خصوصا ان جناحها الغزاوي يتحمل في الدرجة الاولى وزر المعركة على الارض، وهي في الوقت عينه تتحمل مسؤولية تاريخية عما آلت اليه اوضاع غزة بعدما انزلقت نحو حرب نشهد يوميا منذ اسبوعين على وحشيتها من الجانب الاسرائيلي.
ومهما سيق من حجج وذرائع لتبرير سياسة تعبيد طريق اسرائيل لتشن حربها على غزة، تبقى مسؤولية حركة "حماس" تامة. فممارسة سلطة "الامر الواقع" في زمان ومكان معينين يفترضان من اصحاب السلطة ان يضعوا سلامة الشعب في مقدم المصالح، لا ان يكون الدفاع عن الحركة بأجندتها الحالية الايرانية – السورية اولوية لو اقتضى الامر ابادة اسرائيل أهل غزة كلهم!
لقد كان رفض حركة "حماس" للمبادرة المصرية والقرار 1860 خطأين يضافان الى مسلسل الاخطاء التي ادت الى الحرب التي يقتل فيها الغزاويون كالعصافير. فمهما قيل في الممارسات الاسرائيلية المجرمة قبل الحرب، والهمجية خلال الحرب، فإن اول واجبات سلطة الامر الواقع في غزة، اي "حماس"، كان ان تضع في رأس اولوياتها الحفاظ على امن الناس وسلامتهم وحيواتهم ومصالحهم في حدها الادنى، بدل التورط في حرب ارادتها اسرائيل، فجاءتها الفرصة على طبق من ذهب!
كم هو مؤسف ان تتلخص مأساة غزة اليوم في الاحتلال الاسرائيلي المجرم من جهة، والاستغلال الايراني – السوري الذي لا يقل اجراما من جهة اخرى، لكونه يدفع الفلسطينيين دفعا، مثلما دفع اللبنانيين في 2006، الى فم الوحش لينهش من لحمهم العاري.
لقد آن الاوان لكي تقول القيادات العروبية النهج داخل "حماس " كلمتها في وجه القيادة الايرانية الاجندة. فالاخيرة تستطيع ان تقول ما تشاء في شأن البطولات هناك على ارض غزة، لكنها في نهاية الامر تتحمل مسؤولية تاريخية واخلاقية كبرى عن دماء مئات القتلى وآلاف الجرحى المظلومين مرتين، ولذا وجبت محاسبتها فلسطينياً وعربياً، اسلامياً وقومياً!