الصواريخ "المشبوهة" لتحويل الأنظار عن مجازر إسرائيل في غزة!
فجأة، وفي عز انشداد أنظار العالم كله الى ما يجري في غزة، والهولوكست الصهيوني الذي ينفذ في أبنائها، والمذابح الجماعية، والاعتداءات الوحشية، والتدمير والخراب، التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وفي ظل إجماع لبناني كامل يدين الممارسات الإسرائيلية، فجأة تحولت الأنظار والقلوب والضمائر الى الجنوب اللبناني. فجأة صار العنوان الأول للبنانيين ولسواهم مخاوف من حرب بين لبنان وإسرائيل، بعد الصواريخ التي أطلقها "مشبوهون" "مشهودون" باتجاه شمالي فلسطين المحتلة والرد الإسرائيلي عليها. فجأة صار الحدث في الجنوب، وخطف الاهتمام بما ترتكبه إسرائيل في القطاع، فجأة حاول (مطلقو الصواريخ) أن يستدرجوا لبنان الى حرب غير مهيأ لها، ويؤمن "الذرائع" لتفلت إسرائيل كل جنونها وأحقادها وبربريتها على الجنوب اللبناني وعلى لبنان كله. استحضر الجميع صور غزة المؤلمة، ليستحضروا حروب تموز و1982 و1979… إلخ. بكل مآسيها وخرابها! هذه الصورة المخيفة تجسدت بكل رعبها وقلقها في عيون بعض أهل الجنوب والضاحية الذين "بدأوا" في الصدمة الأولى بالنزوح وبالتعبير عن غضبهم من تبعات ما فعله بتوع الصواريخ!
للوهلة الأولى قال بعضهم "فعلها حزب الله"، ثم قال بعضهم الآخر "إنها حماس"، ثم وبعضهم الآخر "عملاء إسرائيل"… لكن ما حسم هذه التكهنات هو نفي حزب الله علمه وعلاقته بإطلاق الصواريخ، وهكذا فعلت "حماس"… ليبقى في الميدان حديدان آخر، ربما حديدان "الجبهة الشعبية، القيادة العامة" وتتالت ردود الفعل، من الحكومة مجمعة على شجب هذا العمل الخبيث، الى الجيش الى رئيس الجمهورية، فإلى الأحزاب من 14 آذار وبعض 8 آذار. لكن رأينا وسمعنا "باستمتاع" أحد "مناضلي" الجبهة الشعبية، الذي لا ينفي ولا يؤكد مسؤولية جبهته عن العمل "البطولي"… ويطالب بفتح كل الجبهات العربية مع إسرائيل! برافو! والله، هذا ما كنا وما زلنا نطالب به منذ 4 عقود، ونُخَوَّن عليه. وها هو أحد "ممثلي" هذه الجبهة يذكرنا به: لكنه لم يحدد هذه الجبهات التي يجب أن تفتح على إسرائيل: الجنوب اللبناني مفهوم وتحصيل حاصل! ولكن لم يوضح لنا "حديدان" ما إذا كان الجنوب اللبناني هو كل الجبهات العربية، بصرف النظر عن جبهات أخرى من مصر الى الأردن فإلى الجولان (لم يذكر حديدان الجولان مع أنه ذكر مع سواه… الأنظمة العربية المتخاذلة).
برافو! وصلت الرسالة التي تحمل شيفرات متعددة:
1 ـ يريد من هم وراء مطلقي الصواريخ الى شمالي فلسطين ابتزاز حزب الله أولاً، الذي وبرغم نبرة أمينه العام السيد حسن نصرالله العالية، في ذكرى عاشوراء وما قبلها، اختار الإنحياز الى الاستقرار واحترام 1701 وعدم إعطاء إسرائيل ذريعة لحرب لم يقررها لبنان. والابتزاز يعني توريط حزب الله في حرب مفاجئة يُحمّل مسؤولية نتائجها، من دون أن يخسر من هم وراء قرار إطلاق الصواريخ شيئاً: لا حرج عليهم ولا ملامة… ونظن أن نفي الحزب علاقته بما جرى رفع الغطاء عن هؤلاء وأدى الى عزلهم في بؤرة محدودة.
2 ـ بعدما أحس من هم وراء قرار إطلاق الصواريخ أنهم يفقدون ربما ورقة عزيزة غالية في غزة… للمفاوضة بها مع إسرائيل وأميركا، عمدوا الى هذه التجربة لمحاولة "إثبات" أنهم ما زالوا على الأرض وقادرون… على تغيير "المعادلات"، والتقاط "الأوراق"…
3 ـ محاولة دك اسفين بين الجيش اللبناني وحزب الله، بما لذلك من تداعيات على الوضع اللبناني. ومن ثم توريط الجيش اللبناني في حرب مع إسرائيل قد لا يكون جاهزاً لها، لا سيما وأن استراتيجية الدفاع لم تنجز بعد، وفي ذلك استهداف لدور الجيش، واستجرار ضربه، قبل جهوزيته، وما قد يجر ذلك من خلل على صعيد الوحدة الوطنية، والنظام، والكيان… وسقوط في الفوضى العمومية! (وهذا أقصى تمنياتهم).
4 ـ توجيه رسائل الى المفاوضين في الأمم المتحدة وسواها توصي عدم الرغبة في التوصل الى أي اتفاق، قد يُنهي ولو موقتاً مأساة أهل غزة. وهذا يعني، ضمناً (وربما علانية)، رفض أي اتفاق محتمل بين إسرائيل والفلسطينيين، وإبقاء الوضع مفتوحاً، ليُتاح لنظام "الممانعة" التلاعب بالورقة الفلسطينية، تماماً كما كان يتلاعب بالورقة اللبنانية. ليستبقي المفاوضة المباشرة لنفسه دون سواه: يرفض أن يتفاوض لبنان مع إسرائيل حول شبعا، ويرفض أن تتفاوض حماس والسلطة مع إسرائيل، وهو بكل "شراسة" يتمسك بالمفاوضة المباشرة أو غير المباشرة بإسرائيل: فالامتياز الحصري للتفاوض مع العدو مخصص له، وكل تفاوض آخر من قبل آخرين، يعتبر "خيانة" واستسلاماً وتواطؤاً.
5 ـ والأدهى هو ضرب حضور النظام العربي، (بكل مساوئه ومحاسنه وأخطائه)، أي ضرب الدور العروبي في الأزمات العربية، أي محاولة استفراد أي دور عربي فاعل وإن بشروط غير مرضية، عبر التحريض والمزايدة. ونظن أن محاولة استعادة بعض النظام العربي ولو دوراً محدوداً في مجلس الأمن والأمم المتحدة، و"ممانعته" (المحدودة) لما تريد أن تفرضه إسرائيل والولايات المتحدة سحب كثيراً من "الممانعة" الإعلامية لمن هم وراء قرار إطلاق الصواريخ.
ولهذا نظن أن الصواريخ لم تطلق على إسرائيل إلا لترتد على لبنان والجيش اللبناني وحزب الله (تحديداً) وعلى العرب. وبل ونظن أن إطلاق الصواريخ، وفي هذا الظرف بالذات، وكأنه محاولة لتبرير ما يرتكبه العدو في غزة… وتحميل العرب وحدهم المسؤولية (ونحن هنا لا نتردد في تحميل النظام العربي ككل بما فيه بتوع الممانعة جزءاً كبيراً من المسؤولية).
6 ـ إن توجيه الصواريخ الى شمالي فلسطين المحتلة قد يساعد (من اتخذ القرار) على تبرير عجزه عن مساعدة المقاومة في غزة. فإذا كان ثمة عجز عربي، فهو جزء من هذا العجز، وأحد تعابيره الصارخة، من خلال إراحته إسرائيل على امتداد أكثر من ثلاثة عقود.
إذاً العتب الشديد أن العرب لا يحاربون كلهم عنهم: وهم لا يحاربون ابتداء من لبنان. ولا أي قلق لا على مصير البلد ولا على أهله ولا على وضعه. "فلنحارب حتى آخر مقاتل من حزب الله"، و"لنحارب حتى آخر فلسطيني.. وآخر لبناني.. وآخر عراقي… ونحن نغمس أصابعنا بالمطهرات… النظيفة! برافو! ولا بأس أن اعتمدت كل الوسائل والطرق لضرب أي لقاء أو وحدة أو سلم: فلنساهم في إشعال الحروب الأهلية في لبنان، في فلسطين، وفي العراق، ولتدمر المدن، والتواريخ والحواضر والثقافات، ما دامت تبعدنا عن "الحرب" مع "العدو"! بل وما دام العدو يستفيد من كل ذلك لقبول هذا الوضع "الثابت" الهنيء معه!
7 ـ إن ضرب الصواريخ على شمالي فلسطين المحتلة، كأنه فتح "دفرسوار" خاص تنفذ منه إسرائيل الى العمق اللبناني، في ظروف ملتبسة. ومن هذا الدفرسوار يتم تشويه صورة المقاومة وحزب الله والجيش اللبناني واليونيفيل والقرار 1701. وإذا تمّ ذلك، فيعني إحداث خلل عارم وإعادة الأمور الى قبل 2000 و2005، وفي هذا اصطياد "لورقة" لبنانية باتت بعيدة، ولمحكمة دولية باتت قريبة.
8 ـ التأكيد، من خلال إطلاق الصواريخ، أن السيادة اللبنانية وهمٌ (تماماً كالأكثرية تماماً كالاستقلال، تماماً كالنظام…). وأن لبنان بلا حدود. وإذا كان له حدود فعند سواه. ويكفي أن ينبري أحد ممثلي الجبهة الشعبية (كفصيل فلسطيني) (تنفيذاً لقرار من يحتضنونه) ليعترف بطريقة أو بأخرى بإطلاق الصواريخ في لبنان، ليعلن أن هذا البلد سائب، والجنوب سائب، والشعب سائب. إذ كيف يمكن قبول أن ينفذ فصيل فلسطيني (هو ضيف على لبنان) عملية في لبنان، برغم إرادة اللبنانيين. ونظن أنه لو يفعلها في أي بلد عربي، لكان مصيره… الله أعلم! والمضحك المبكي أن الناطق باسم الفصيل الفلسطيني المذكور لا يقيم وزناً لا للدولة ولا لحزب الله ولا للجيش ولا للحكومة: فاستباحة هذا البلد باتت "بطولة" وانتهاكه بات "واجباً" قومياً أو أممياً أو نضالياً! (العوذ بالله) أو لا نسمع أحياناً من هنا وهناك من يدعو من أهل الخارج الى حرب على إسرائيل، وعلى أميركا من لبنان، من دون اعتبار لأي سيادة لبنانية أو خصوصية لبنانية. "فلبنان أرض سائبة" باتت مقولة كل الذين وفدوا إليه منذ 1969 حتى اليوم، وهو "المفهوم" الذي جرّ علينا كل الويلات والحروب والمآسي من دون أن يكون للبنانيين حصة صغيرة… في هذه القرارات البرانية. وحتى عندما نقول لهم ما هو بديهي: ان القرار اللبناني للبنانيين، فيعني أنك ترتكب الكبيرة والصغيرة.. ويصنفونك في خانة العملاء. (العملاء يصنفون الناس في خانة العملاء، فيا للرقة والتهذيب والجرأة). ونظن أن الذين أطلقوا الصواريخ يريدون أن يعلنوا بكل وضوح: إن لا قرار لبنانياً لا في الحروب ولا في السلم، ولا في أمور جيشه، ولا حتى في أمور مقاومته. فالأمر لمن هم خارج الحدود.
9 ـ لكن هؤلاء، منتهكي السيادة، ومخربي السلم الأهلي، وصانعي الحروب الداخلية، ومصدري البؤر الأمنية، والقسمة، فوجئوا هذه المرة، وكمثل الصفعة، بإجماع لبناني ضد "مبادرتهم" الصاروخية، يشبه الإجماع الذي لمسناه في حرب تموز، عندما تحول كل اللبنانيين بكل إمكاناتهم، الى مقاومة مدنية الى جانب المقاومة ليشكلوا الخلفية القوية لها في مواجهة العدوان الإسرائيلي! هذا الإجماع في رفض تحويل لبنان الى منصة لضرب الصواريخ على إسرائيل، لاستدراجه الى حروب ليست حروبه دائماً، وقفة كل اللبنانيين سواء عبر أحزابهم أو منظماتهم أو مجموعاتهم أو حكومتهم أو رئيسهم… كأنما صرخة واحدة: كفى! كفى استخدامنا وقوداً في حروب الغير، كفى انتهاكاً لسيادتنا، كفى اللعب على وحدتنا الوطنية، كفى تبرير إغلاق كل الجبهات العربية المتاخمة لإسرائيل، لفتح جبهة واحدة في الجنوب، كفى لمحاولة خطف الإرادة اللبنانية، والورقة اللبنانية، والمساومة عليها في بورصات المفاوضات والمصالح والتناقضات!
إن هذا الإجماع اللبناني، هو الكفيل، آنياً ومستقبلاً، لا لمواجهة الاختراقات، والتنازل لإرادة الغير، وتهديد الاستقلال فقط، بل أيضاً لمواجهة العدو الإسرائيلي أيضاً، الذي يتحيّن الفرص لضرب دور لبنان وموقعه ووجوده.
فبهذا الإجماع (على تعددية المجتمع والموقف)، تبنى الديموقراطية، ويتحصن المجتمع، ويتعزز الصمود، ويترسخ السلم الأهلي.
وإذا لم يتوفر إجماع على هذه البديهيات فلن تكون دولة، ولا شعب، ولا جيش ولا مقاومة… وتالياً تنتفي أي مواجهة فعلية لمخططات العدو ولسواه!
وكما يقال في المثل السائد "وربّ ضارة نافعة".. فإن إطلاق الصواريخ أول من أمس، أظهر أن اللبنانيين لا يتخلون عن التوافق حتى الإجماع، في اللحظات المصيرية، وأن تناقضاتهم مهما بلغت قوتها، لا تثنيهم عن الوقوف وقفة واحدة أمام ما يتهدد بلدهم… من أزمات وكوارث ومخاطر ومغامرات.
فهل يستمر ذلك! هذا ما نتمناه! ولا بأس إن قلنا "قولوا إنشاء الله!"!