مصلحة عليا
كلامُ مباشر نُقل بالأمس عن مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي يا اخوان، منع فيه الشباب المحتشد في المطارات من التوجه للالتحاق بالمقاتلين الفلسطينيين في غزّة (عن أي طريق!)… الكلام الذي كانت محطة "العربية" سبّاقة في نقله، تضمن أيضاً إشارة مفادها "إننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً في هذا المجال(…) لكن الجمهورية الإسلامية لن تتوقف عن دعم الشعب الفلسطيني المظلوم وستقوم بما يجب عليها القيام به".
… درسٌ في الواقعية السياسية جاء من خارج النص المعروف والمعلوم والمقروء والمسموع والمترجم عن أدبيات الثورة الإيرانية، وخارج عن النص المعروف والمقروء الذي استشرى في السنوات القليلة الماضية على لسان الرئيس محمود أحمدي نجاد، المبشّر بتدمير إسرائيل ومحوها من الوجود، وما إلى ذلك من هيجان لفظي، كان الظن أنه اندثر مع المرحوم أحمد الشقيري ولاحقاً مع أحمد سعيد ما غيرو.
حالة مفاجئة، أقله على المستوى الإعلامي والسياسي برزت من خلال الكلام الجديد.. إنه فعلاً درس في الواقعية التي يجيزها البعض لدول معيّنة ويمنعها عن دول أخرى. لكن من جديد، تثبت طهران، لحظة الجد، أنها تضع الايديولوجيا جانباً، وتشتغل في السياسة باعتبارها ترجمة فضلى لـ"المصلحة الوطنية العليا" التي تعلو على كل شيء، حتى لو كان هذا "الشيء" المجزرة المفتوحة في غزّة.
لم يُمنع ذلك ولا يمنع، ولا أحد يتوهّم أنه سيمنع طهران من استكمال سياسة الدعم المباشر للقوى التي تحالفها وتواليها إن كان على المستوى اللبناني أو على المستوى الفلسطيني، لكن حدود ذلك مرسومة دائماً عند حدود مصلحة النظام العام في طهران. يعني بين تدخّل مباشر أضراره أكبر من فوائده، أو الانكفاء إلى خيار "النوم على الضيم" وتغطية ذلك بشعارات كبيرة، تنحاز إيران، للمرة الثانية إلى الخيار الثاني. إذ قبل غزّة اليوم، كانت حرب تموز في لبنان الترجمة الأولى لتلك "السياسة".
بهذا المعنى، يصبح معقولاً ومبرراً ومنطقياً القول بالفم الملآن، لكل قوى الممانعة عن بُعد، الهائجة هذه الأيام على مصر وغيرها من الدول العربية والإسلامية، إن الميزان يجب أن يكون واحداً هنا وهناك… إذا كانت المرجعية الأولى والأعلى لتلك القوى تقيس خطواتها بميزان مصلحتها، فمن باب أولى، أن "يُعطى" هذا الحق لكلّ القوى الأخرى المتّهمة باعتدالها".
… والمنطق نتيجة لذلك، يصبح أكثر قوة وحصافة عندما يُسحب على الوضع اللبناني، ويصير من حق المتخوّفين، أن يطلقوا العنان لخوفهم من محاولات جرّنا إلى ما لا طاقة لنا على احتماله وإلى رفض تحويل بلدنا، مرة جديدة، إلى تلك المنصّة المهشّمة لإطلاق الصواريخ والمشاريع التي لا تتناسب مع المصلحة الوطنية العليا للبنان وأهله.
معه حق السيّد خامنئي في وضعه مصلحة بلده فوق كل اعتبار… فلماذا يرفض بعضنا ذلك للبنان؟!.