#adsense

العلم المرفوع والثمن المدفوع

حجم الخط

العلم المرفوع والثمن المدفوع

خطفت انطلاقة الحرب الإسرائيلية على غزة في الايام الاخيرة من السنة المنصرمة، الاضواء عن حدث محلي طالما انتظره معظم اللبنانيين وضحّوا من اجله بالكثير، والذي تمثل برفع العلم السوري على مبنى لسفارة سورية في بيروتا إيذانا ببدء علاقات رسمية سوية اسوة بالعلاقات التي تربط لبنان بباقي الدول والبلدان الشقيقة والصديقة.

قد تكون الكتابة أو الحديث عن فتح السفارتين في لبنان وسوريا بالنسبة للبعض ، في ظل الحرب المستعرة على غزة والنزف الكبير في البشر والحجر ، في غير اوانه او موقعه. لكن من يدقق ويمحض جيدا بتزامن تطور الأحداث في لبنان وفلسطين وترابطها لا سيما خلال السنوات الاربع الاخيرة، يدرك بوضوح بان جزءا مهما من المشاكل التي يعاني منها اللبنانيون والفلسطينون انما تكمن في الانقسامات الحاصلة بينهم وفي المجال التي تتركه هذه الانقسامات أمام الاخرين للعبث بأقدراهم ومصائرهم.

لا شك ان تجارب كثيرة لشعوب عظيمة في التاريخ كانت قد جبلت بالدماء والدموع. ومقياس العظمة هو ان هذه التجارب كانت تنبع من إرادة هذه الشعوب وتنطلق من ظروفها وإمكاناتها وتهدف الى تحقيق مصالحها، ولم تكن هذه الشعوب لتسمح بأن تهدر التضحيات التي تقدمها على مذبح شهوات ومصالح الاخرين دولا كانوا او زعماء.

اذا ما أخذنا تجربة الشعب اللبناني، ففي الامكان القول بأنه شعب التضحيات والتجارب المستمرة. فهو لا يكاد يخرج من تجربة قاسية حتى يدخل بتجربة اكثر قسوة. ولكن للاسف لا يمكن القول بأن كل التجارب التي خاضها الشعب اللبناني كانت تنبع من ارادته وتنطلق من ظروفه او ان التضحيات التي قدمها استطاع دائما ان يستثمرها بنفسه ولنفسه.

ان الحديث عن العلم المرفوع على مبنى لسفارة سورية في بيروت لا يمكن فصله عن التضحيات الكبيرة والكثيرة التي قدمها الشعب اللبناني في تجربته لتحقيق هذه الامنية، والتي تعتبر من التجارب القليلة التي امكن للبنانيين ان يستثمروا تضحياتهم في مسألة تمس مشاعرهم الانسانية وقيمهم ومصالحهم الوطنية.

في لبنان دفع الكثير من الدماء والتضحيات حتى يشاهد العلم السوري على مبنى لسفارة سورية في بيروت، وينقشع علم لبناني لسفارة لبنانية في دمشق. وهذه التضحيات كان يقدمها اللبنانون بشكل او باخر منذ فجر الاستقلال وان كانت هذه التضحيات قد بلغت ذروتها خلال السنوات الاربع الاخيرة، والتي كان عنوانها الرئيسي السيادة والاستقلال عن الاستبداد والهيمنة السورية.

نعم، ولو في الشكل، يؤرخ يوم رفع العلم السوري على مبنى سفارة سورية في بيروت والعلم اللبناني على سفارة لبنانية في دمشق، لمرحلة جديدة غير تلك المرحلة التي كان يرفع العلم السوري والشعارات السورية في المفارز الامنية وأزقة وأحياء المجموعات والفصائل والاحزاب، التي كانت كل اوراقها واعلامها وبيارقها موجودة في "الجوارير الدمشقية" بدل العلم اللبناني الذي بات بفضل التضحيات الكبيرة والغالية، يرتفع خفاقا على مبنى السفارة اللبنانية في دمشق.

رب سائل خبيث يسأل، وماذا تغير على ارض الواقع بعد فتح السفارتين: فها هو النفوذ السوري اقوى وها هي الفصائل والمجموعات الحليفة تستأنف اطلاقها الصواريخ من الجنوب وتحاول إحباط القرار1701 الذي يتمسك به لبنان شعبا وحكومة . الجواب: اذا كانت سوريا قد عودت نفسها بداية، نظريا وفي الشكل، على ان لبنان بلد تابع وقاصر قبل ان تتمكن من الانقضاض والهيمنة عليه فعليا منذ عام 76، فما عليها منذ الان، الا وان تعوّد نفسها ولو بالشكل، على ان لبنان بلد سيد ومستقل يعي تضحياته من اجل نفسه والاخرين.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل