"حماس" غزة تهدد قيام الدولة الفلسطينية
ما هي بالضبط طبيعة الحرب الشرسة الدائرة على أرض قطاع غزة منذ أسبوعين، وهي تدور بين من ومن… ولماذا؟
إنها حرب فريدة غير متكافئة بين جيش إسرائيل النظامي وميليشيا غزاوية، تقاوم بالطبع على أرض المعركة بما تيسر لها من سلاح متواضع، لكنها تملك ترسانة صاروخية، تعتبرها مصدر قوة لها، توجه ضرباتها بها الى ما هو خارج أرض المعركة الميدانية، أي الى الأراضي الإسرائيلية! وبسبب عدم توازن القوى يدفع شعب غزة ضريبة دم ودمار، هو غير قادر على تحمل أوزارها.
رداً على وابل الصواريخ التي أرسلتها "حماس" إليها خلال كانون الأول المنصرم، قامت إسرائيل في 27 منه بغارات جوية، حولتها منذ الثالث من الجاري الى اجتياح بري، مدعوم بسلام البحرية، حيث أسفرت الحصيلة في اليوم التالي عن مقتل 507 فلسطينيين و2500 جريح، من دون أن تقابلها خسائر إسرائيلية تذكر.
حصل كل ذلك واقتصرت ردود الفعل على تلك المأساة، من قبل المتضامنين عاطفياً مع الجانب الفلسطيني في البلدان العربية وغيرها، على القيام بتظاهرات التنديد بالعدو الإسرائيلي وشراسته، للمطالبة بوقف إطلاق النار وفك الحصار عن غزة وتقديم المساعدات الإنسانية، من دون أن يلوح في الأفق طرح حلول جذرية، تستند حصراً الى مفاوضات سياسية مباشرة، بين الفريقين المتخاصمين، مدعومة من المجتمع العربي والدولي، بين الفريق الفلسطيني وإسرائيل، والفريق الأساسي الأول هنا هو رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس واللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية، لا "حماس" وصواريخها العشوائية، المرسلة الى خارج أرض المعركة.
مغامرة "حماس"
إذا كان الحل الشامل لمأساة الشعب الفلسطيني موقوفاً على قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، كما اهتدى الى ذلك العرب في قمة بيروت العام 2002، بعد طول تردد وارتباك، فإن أحداث غزة الحالية تهدد بشكل مباشر وعلني ولادة تلك الدولة؟
انتفاضة الحجارة الأولى، التي انطلقت العام 1987 على الأراضي الفلسطينية بالذات، أنجزت أمراً في غاية الأهمية هو قيام نواة السلطة الفلسطينية المستقلة، التي تولى ياسر عرفات رئاستها في العام 1996، وانتقلت بعد وفاته الى محمود عباس، الذي سلك طريق التفاوض المباشر مع إسرائيل.
و"حماس" التي أقدمت العام 2007 على احتلال غزة عسكرياً وطردت منها كوادر "فتح"، المنظمة الأم الفلسطينية، رفضت علناً الإنجازات الفلسطينية السابقة، ولم تعلن أي بدائل عنها.
أضاليل جليلي
في الثالث من الجاري، جاء من دمشق الى بيروت سعيد جليلي، رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، حيث التقى الرؤساء الثلاثة وأمين عام "حزب الله" حسن نصرالله، حيث عبر عن هروب من قول الحقائق، ورفض الكلام عن أسباب مأساة غزة، فتحدث عن جبهة الجماهير في العالم وجبهة الممانعين فيه. واستغرب "كيف يمكن للدول العربية والإسلامية وكل الدول الحرة أن تقف مكتوفة الأيدي". وأبدى استعداد بلده للتعاون من أجل وقف العدوان".
غسل يديه كلياً من موبقات السياسة الإيرانية بالنسبة الى غزة ولبنان والعراق، وتجاهل كلياً في نوع خاص، تزويد "حماس" لبنان و"حماس" غزة، بالسلاح والمال، خدمة لسياسة إلغاء إسرائيل من الوجود، ألم يفاخر المسؤولون الإيرانيون باعتبار حرب تموز 2006 "البروفة" الثانية تجرب الآن في قطاع غزة، العزة والكرامة لمن يتآمر على سلم وسلامة دول الشرق الأوسط بهذا الشكل!
فيما المطلوب الآن من النظام الإيراني الإلهي الكف نهائياً عن التدخل في المسألة الفلسطينية والقضايا العربية برمتها.
اللعبة الإيرانية ـ السورية
كشفت "الفيغارو" الفرنسية في الثالث من الجاري معلومات "قيّمة جداً" عن الدور العسكري الذي لعبته إيران وسوريا في توريط "حماس" غزة في مغامرة الصواريخ، التي لا تحرر أرضاً، بل أدت الى احتلال إسرائيل لغزة مرة أخرى، بعد أن كانت قد خرجت منها.
ورد في تلك المعلومات ما يلي: ترسانة "حماس" الصاروخية مصدرها إيران وسوريا و"حزب الله"، أدخلت تلك الصواريخ عبر أنفاق بين حدود مصر وغزة، مئات من مقاتلي "حماس" تلقوا تدريباتهم في معسكرات سورية ـ إيرانية.
سلاح من هنا وسياسة تخريبية جانبية من هناك. تدخل سافر يوتر الأوضاع في المنطقة ولا ينتج سلاماً.
عنتريات أحمد جبريل
تحمس أحمد جبريل، أمين عام "الجبهة الشعبية" القيادة العامة، وأعلن أنه هو سيفتح "جبهات عسكرية أخرى، إذا اتسعت تطورات المعركة الميدانية في قطاع غزة".
ما المانع؟ ليتوجه فوراً الى الجولان السوري ويفتحها هناك، من حيث المبدأ، لا تستطيع دمشق منع ذلك، لأنها تتصدر الممانعات. الجبهة اسورية تكون إذن الجبهة المثالية المؤهلة للفتح، وهي المزودة أيضاً بالصواريخ.
على أي حال، تهديده جدياً أم هزلياً، على اعتبار أن أي دولة عربية أخرى لن تسمح له بأي فتح، المطلوب منه أن "يضب كلاكيشه" من الناعمة وقواعده في البقاع.. وأن يرحل من لبنان ويعود مع منظمته الى بلاد الشام قبل مجيء السفير السوري الى بيروت.
النواب العرب في صور
المؤتمر الاستثنائي الرابع عشر الذي انعقد في صور في بداية هذا العام، بدعوة من رئيس مجلس النواب نبيه بري، عبر عن تعاطفه مع ما معاناة أهل غزة.
لكن الأهم الذي قيل في بيانه الختامي يذكرنا بالقمة العربية التي انعقدت في الخرطوم، غداة حرب 1967، وتوجت باللاءات الثلاث: لا اعتراف بإسرائيل، لا اتصال بها ولا مفاوضات معها، كان هذا الموقف يعني آنذاك عملياً: اتركوا إسرائيل تهضم احتلالها وتزرع فيها المستوطنات في الأراضي المحتلة.. ولو كان اتخذ قرار معاكس آنذاك، لما استطاعت إسرائيل التوسع في بناء المستوطنات التي تشكل أحد العوائق لدى البحث في قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
والنواب العرب الذين حلوا عليها ضيوفاً في صور، ضربوا على ذلك الوتر: دعوة الى الإحجام عن أي اتصال بإسرائيل، لحل أزمة غزة.
بالسلبيات، يستحيل حل المشاكل والأزمات، الحضور الفعال وحده ينتج حلولاً، الذي يتعمد الغياب، يبدي قصوراً، بل سوء نية، مصدرها إما الجهل وإما التواطؤ.
وعذاب شعب فلسطين التاريخي لا يوضع حد نهائي له إلا بالمواقف الايجابية، التي تنتج حلولاً.
لفت نظر
تذكرنا ماساة غزة الحالية بجملة مبادئ ينبغي احترامها:
1 ـ عندما تواجه جهة ما عدواً ما، من مصلحتها بالذات أن تأخذ في الاعتبار قدراته وإمكانياته، كي تحافظ على رأسها على الأقل ولا تنجر الى نكسات محسومة.
2 ـ لا يحق لفريق في دولة ما أن يتفرد باتخاذ قرارات، ترتد سلباً على الدولة التي ينتمي اليها.
3 ـ هناك دوماً ذرائع ما، يستند اليها العدو، أياً كان هذا العدو، للفتك بخصمه.. ومن بديهيات الأمور الابتعاد عن سلوك هذه الذرائع التي تقود الى حروب عبثية.
4 ـ دول المشرق العربي، ومنها لبنان بالذات، لا تواجه العدو الإسرائيلي فحسب، بل تواجه أيضاً المتاجرين بالقضية الفلسطينية والقضايا العربية، وأهم شاهد على هذه الحالة، السياسة العليا التخريبية التي تنتهجها سوريا وحليفتها إيران، في لبنان والعراق والأراضي الفلسطينية المحتلة..
وشعب غزة دفع غالياً فاتورة عدم احترام المبادئ المشار اليها من قبل من استدرج إسرائيل للقيام بحربها على قطاع غزة. نسخة طبق الأصل عما حصل في حرب تموز 2006، وإن اختلفت بعض التفاصيل.