غزة: عباس الخاسر الأكبر
ايلي القصيفي
كتب كثيرون عن غزة، كل الكلام يدين العدوان الإسرائيلي وهمجيته، وبعضه يتناول الى جانب إدانة العدوان مسؤولية حماس عما آلت اليه التطورات في القطاع بعد انقلاب حزيران 2007. الا أن تداخل التناقضات في المشهد الفلسطيني يحيل أي تعليق موضوعي ضربا من ضروب العبثية الممزوجة بالتشاؤم.
فمحاولة حماس ربط واقعها في غزة، بتجربة حزب الله في جنوب لبنان في تموز 2006، يضعنا أمام استنباطات يصعب تجاهلها خصوصا أن تبادل الإسقاطات بين الحركة والحزب وارتباطاتهما الإقليمية يدفعانا الى قراءة الحالة السياسية في لبنان بعد تموز 2006، ومحاولة حمل معطياتها الى الواقع الفلسطيني.
فحزب الله الذي خرج، أقله وفقا لمعطياته، منتصرا من حرب 2006، سخّر إنتصاره في الداخل اللبناني سلاحا فعّالا في وجه حركة «14 آذار» والقوى الداعمة لها عربيا ودوليا، لا سيما أن اسرائيل لم تخرج من الحرب بما كانت وضعته من أهداف، وأهمها تحرير الجنديين المأسورين لدى حزب الله، وتدمير البنية التحتية للحزب.
ولم يحفظ حزب الله للحكومة اللبنانية العمل الحثيث الذي قامت به لوقف الحرب، والذي أدى الى استصدار القرار 1701 الذي أوقفت بموجبه الاعمال القتالية، فخوّن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، التي كان جزءا منها حين اقرار القرار، وساق بحق قيادات «14 آذار» اتهامات العمالة لاسرائيل وأميركا.
وبدأ الحزب بالتزامن مع الهجوم العنيف الذي شنه الرئيس السوري بشار الأسد على الحكومة اللبنانية، واصفا قوى «14 آذار» بـ «المنتج الإسرائيلي»، محاولته لزعزعة الواقع السياسي الذي أنتجته انتخابات عام 2005، فانسحب وزراؤه من الحكومة، ليطلق بعدها إعتصاما مفتوحا في وسط بيروت للمطالبة باستقالة حكومة السنيورة، وتشكيل حكومة جديدة يكون للمعارضة فيها ما أسماه نائب حزب الله محمد رعد «الثلث الضامن».
ففي غزة، التي أدى الإنقلاب المسلح الذي قادته حماس على السلطة الفلسطينية الى تعميق الإنقسام الفلسطيني الى حد القطيعة، لا يبدو المشهد مغايرا، أقله لجهة ضبابية الاهداف الإسرائيلية وطبيعة المعركة، عما شهده لبنان في حرب يوليو 2006.
فـ «عصمة» المقاومة مسألة حتمية بالنسبة الى مؤيديها، لا سيما أن طابعها الديني يجعلها خارج أي مسؤولية أمامهم، كما أن الهزيمة لدى «الممانعين» لا تقاس بحجم الدمار أو عدد الضحايا، إنما بعدم القدرة على ترجمة «الانتصار العسكري» نتائج سياسية ملموسة في واقع بلدانهم.
من هنا، وبمنأى عن النتائج العسكرية للعملية التي أطلقتها اسرائيل في غزة، فحماس ستخرج وفق معيار نهج «الممانعة» منتصرة من المعركة.
وأيا كانت آليات أو توقيت تنفيذ القرار 1860، أو أي قرار دولي يعقبه، فحماس لن تعتبر أي قرار يضيق هامش حركتها في غزة هزيمة، وإن شكل مكسبا لاسرائيل.
أضف، أنه مهما بلغ عدد الضحايا من المدنيين، وكذلك حجم الدمار في غزة، فحماس لن ترى في فداحة الخسائر هزيمة، فهي وفق رؤيتها تمكنت من الصمود ومنعت اسرائيل من احتلال القطاع، الأمر الذي جاهرت تل ابيب بعدم نيتها القيام به لخشيتها من حرب استنزاف جديدة.
أما الخاسر الأكبر من معركة غزة فلا شك أنه سيكون الرئيس محمود عباس والسلطة الوطنية الفلسطينية، فعباس بالنسبة الى حماس «عميل» قبل الحرب وبعدها مهما ساهمت جهوده بالتوصل الى وقف لإطلاق النار، وأنقذت غزة من مزيد من الضحايا والدمار. ومهما احتشد «فتحاويون» في شوارع الضفة تنديدا بالعدوان، فهذا لا ينزع عنهم بالنسبة الى حماس صفة المتواطئين والخونة.
ولا يمكن إغفال أن حماس ستطالب بعد وقف إطلاق النار، وبدفع إقليمي، بحصة «ضامنة» في السلطة الفلسطينية وداخل منظمة التحرير، والأجهزة الأمنية الفلسطينية، و «الهبات»، كمقدمة لأي حوار مع «فتح» والسلطة يمهد لعودة غزة الى كنف الشرعية الفلسطينية. كما ستصعد حملتها ضد أبو مازن خصوصا مع انتهاء مدة ولايته الرئاسية، وستحاول عرقلة أي استئناف لمفاوضات «الحل النهائي»، محققة بذلك مكسبا سوريا.
لا شك أن اسرائيل بسياساتها «المبهمة» ومعاركها «الخاوية»، تخلق واقعا أكثر تناسبا مع حركة «الممانعين»، وتضيق الخناق على المؤمنين بخيار التسوية السلمية.
فحزب الله خرج من حرب 2006 أقوى مما كان عليه قبلها، وحماس ستخرج من حرب غزة أقوى مما كانت عليه قبلها. والسلطة الفلسطينية كما الحكومة اللبنانية قبلها ستواجه مزيدا من الضغوطات وحملات التخوين.
واسرائيل عوض أن تتيح لعباس بسط سلطة الشرعية الفلسطينية في الضفة، وترفع حواجزها الامنية، وتوقف مشاريعها الإستيطانية، تمضي بسياساتها العبثية، وتغتال فرص التسوية التي لن تتوفر في عهد كما توفرت في عهد أبو مازن.