في مفهوم المقاومة فإن الانتصار محسوم .. لكن ماذا بعد؟!
بمفهوم الحروب النظامية فإن الانتصار يعني أن ينجح أحد الجيشين المتعاركين بالسيطرة على الأرض أو إجبار جيش الخصم على التراجع. بمفهوم حركات المقاومة الحديثة لا محل لهذا المفهوم "الكلاسيكي"، فمجرد الصمود هو انتصار، وتكبيد العدو خسائر انتصار، والاحتفاظ بشعلة المقاومة مشتعلة انتصار… والشهادة أيضاً انتصار!.
في العدوان على غزة معيار الانتصار هو صمود المقاومة عسكرياً، وثبات التأييد لها شعبياً، وذلك بغض النظر عن الوقائع الميدانية أو التكلفة البشرية أو التداعيات. ومن يعرف الغزيين يدرك أنه يستحيل أن ينفضّوا عن حماس بفعل النار أو الحصار. هم بالأساس ليس لديهم الكثير ليخسروه. المقاومون سيستمرون بإطلاق الصواريخ وبحمل السلاح حتى آخر رمق، والجيش الإسرائيلي سيحافظ على تجنبه الدخول في زواريب مخيماتهم، ليس لأن التكلفة عالية فحسب، بل لأنه لا يمكنه البقاء طويلاً إن تمكّن من الدخول. كما أنه من الناحية السياسية لا مصلحة لـ "إسرائيل" في العودة لإدارة شؤون القطاع المعقدة والكثيرة، لا سيما بعد العدوان الأخير عليه، فضلاً عن أن الدخول إلى المناطق الآهلة لا يشكل ضرورة عسكرية دائماً.
من الواضح الآن بعد صدور القرار 1860 أن الحرب في غزة ستنتهي -على الأرجح- بنتيجتين متقابلتين؛ وقف إطلاق الصواريخ، وفتح المعابر وفق صيغة العام 2005، وذلك بغض النظر عن الإخراج وشكل الاتفاق وضماناته. ستعلن حماس "الانتصار" وكسر الحصار، وستبدأ بإعادة الإعمار. وسيعلن القادة الإسرائيليون أن الحرب حققت أهدافها، وأهمها؛ وقف إطلاق الصواريخ على الإسرائيليين، والانتهاء من ظاهرة الأنفاق وتالياً تهريب السلاح إلى غزة. وسيـُكتب ويُقال ويصوّر الكثير عن وحشية الهجوم الذي شنه الجيش الإسرائيلي على غزة، كما عن البطولات الحقيقية – التي سطّرها المقاومون. وستنطلق حملة تبرعات كبيرة. وستكون حماس أكثر إمساكاً بغزة.
قد تستعجل هذه النظرة النتائج الفعلية، لكن التجارب السابقة ولا سيما حرب تموز 2006 على لبنان ليست ببعيدة. وإذا كان الأمر كذلك فمن المفيد الانتقال للبحث في عدد من القضايا الملحة.
القضية الفلسطينية ومستقبلها: من الواضح جداً حجم التقزّم الذي أصاب القضية الفلسطينية، فالصراع انتقل- بغير قصدٍ من حركات المقاومة- من بحث موضوع الاحتلال إلى المطالبة بالتخفيف من تداعياته، كما انتقل من استعادة الأرض وعودة اللاجئين إليها، إلى حدود أدنى بكثير، تتعلق بالشأن اليومي للفلسطينيين، والمطالبة بفك الحصار عنهم، فيما المستوطنات والجدار يلتهمان ما تبقى من أرض فلسطينية، أما قضية القدس فتكاد تكون الوقائع التي يخلقها الاحتلال على الأرض أقوى من أي تسوية لاحقة تقوم على أساس تقسيم المدينة المقدسة. ومن المتوقع أن الجهد الإسرائيلي في هذا المجال سيتكثف في القريب العاجل فيما الفلسطينيون غارقون رغماً عنهم في بحث ترتيبات وقف إطلاق النار، وآليات تطبيق القرار الدولي الراعي للحل، والاتفاق على صيغة إعادة تشغيل المعابر.
توحيد الصف الفلسطيني: من المتوقع وفق السياق الذي تسير فيه الأمور أن يزداد الانقسام الفلسطيني حدة، ومع انتهاء ولاية محمود عباس سنكون أمام سلطة بلا رأس معترف به من عموم الشعب الفلسطيني، كما سنكون أمام حكومتين لا اتفاق فلسطيني على شرعيتهما، وكل منهما "تحكم" إقليماً محدداً، وسيزداد الكلام عن "الخيانة" و"الطعن في الظهر" من قبل فريق، كما سيعلو انتقاد "المراهقة السياسية" من قبل الفريق الآخر، وعلى الرغم من أن المبادرات كافة، والقرار الدولي 1860 يحض الفلسطينيين على تسوية أوضاعهم الداخلية، إلا أن الواقع لا يبشر بتسوية قريبة للاختلاف بين فتح وحماس، فمن لم تتوحد كلمتهم والجرح نازف، لا يُتوقع بسهولة أن يتوحد صفهم عندما "تبرد الحديدة"، وتبدأ السجالات، وينتقل البحث إلى تداعيات العدوان واستحقاقاته، فضلاً عن الشرعية وامتلاكها واستحقاقاتها. وكل الخوف أن يتكرّس انقسام السلطة الفلسطينية جغرافياً، فيتحقق ما تريده "إسرائيل" والولايات المتحدة الأميركية من تصفية للقضية الفلسطينية، وفق ما "اقترحه" السفير الأميركي السابق لدى الأمم المتحدة جون بولتون، في صحيفة الواشنطن بوست مؤخراً، تحت عنوان "خيار الدول الثلاث".
معالجة آثار العدوان: على الرغم من كل المشاهد المؤلمة لوحشية العدوان على غزة، فإن الواقع ما زال يحتفظ بالمزيد. ليست تلك الصور المؤثرة وجدانياً فحسب، بل آثار الدمار الكبير وتخريب البنية التحتية الضعيفة أصلاً، إضافة إلى كل مرافق السلطة وتنظيم شؤون الناس، ما سيجعل القطاع بحاجة إلى الكثير لبسلمة جراحه. بطبيعة الحال فإن المساعدات ستتدفق على غزة، لكن ذلك سيترافق على الأرجح مع صراع بين السلطتين الفلسطينيتين المتنازعتين، وسيحتاج القطاع إلى جهد كبير لإعادة إعماره، خصوصاً إذا ما ووجهت حماس بموقف عربي ودولي يرفض المساعدة إلا من خلال الحكومة التي يرأسها سلام فياض، في حين أن هذه الحكومة لا تملك سلطة فعلية في غزة، وسيطول وجع الناس كثيراً في حال عدم الاتفاق على حكومة وحدة وطنية يمكنها العمل في كل من غزة والضفة معاً.
تراجع الدور العربي: لقد كشف العدوان على غزة عن تراجع خطير في الدور العربي، وعن عجز غير مسبوق منع العرب حتى من الاتفاق على قمةٍ معروف ما هو سقفها، فلجأوا إلى مجلس الأمن واعتبروا القرار 1860 إنجازاً!. وسط هذا التراجع بدا واضحاً تقدّم دور قوتين إقليميتين، هما إيران راعية مشروع المواجهة، ضد "الاستكبار العالمي"، وتركيا راعية "مشروع السلام"، والتي قارب رئيس حكومتها رجب طيب أردوغان العدوان على غزة لأول مرة، ليس كـ"زعيم دولة عادية، بل زعيم أحفاد العثمانيين"!. خطورة التراجع العربي أنه يجعل الساحة الفلسطينية مكشوفة أكثر، وعرضة للاستفراد الإسرائيلي الدموي، أما انقسامه فسيغذي أكثر الانقسام الفلسطيني- الفلسطيني ويضيع وحدة الموقف تجاه القضايا الفلسطينية الكبرى.
ليس هذا الفتح المبكر لتلك الملفات الشائكة من أجل التنغيص على أحد، ولا للتشويش على "انتصاره"، وهو ليس موجهاً ضد الذين يعتبرون أنهم انتصروا في الميدان فنالوا العزة، أو الذين يعتبرون أنهم انتصروا بالديبلوماسية و"أجبروا" مجلس الأمن على تبني قرار دولي يحفظ أهلهم. إن الإضاءة المبكرة على هذه الملفات هي لأجل معالجتها، وإذا كان مطلوباً التركيز خلال العدوان على التعبئة وحشد الجهود وتحريك الرأي العام العربي والدولي نصرةً لغزة، فإن المقاربات غير الشعبوية بعد العدوان هي التي يجب أن تسود، إذ يكفي القضية الفلسطينية ما تعانيه، ويكفي شعب هذه القضية العادلة ما يتعرّض له، والتعلم من أخطاء النفس والآخرين واجب، والتفكّر بمآل الأمور أقوَم للقضية الفلسطينية، ولكل الذين ضحوا صادقين فداءً لها، من الفلسطينيين ومن غير الفلسطينيين.