#adsense

نموذج الانحياز السياسي والتحييد العسكري

حجم الخط

منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة يتقاطع الاجتماع اللبناني على التضامن مع فلسطين وعلى "حدود" واحدة له
"نموذج" الانحياز السياسي والتحييد العسكري

منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة في 27 كانون الأول الماضي، إستنفر الاجتماع السياسي في لبنان تضامناً مع القطاع، مع الشعب الفلسطيني ووحدته، ومع القضية الفلسطينية.

"حدود" التضامن: سياسيّته

حقيقة هذا الاستنفار اللبناني التضامني مع فلسطين تؤكدها المواقف السياسية للأطراف، والنشاطات والتحركات التي جرى تنظيمها في العاصمة وفي غير منطقة، كما تؤكدها الخطوات التي بادرت إليها الدولة في المجالَين السياسي والإنساني دعماً لصمود الفلسطينيين. ويمكن القول إن محصّلة ذلك الاستنفار اللبناني تمثّلت في الإجماع على التضامن السياسي والإنساني مع فلسطين وعلى إبقاء التضامن في "الحدود" السياسية والإنسانية.
وعندما يُقال إن محصّلة الاستنفار تمثّلت في الإجماع على إستبقاء التضامن مع غزة ضمن الحدود السياسية والإنسانية، فذلك يعني أن أي طرف في لبنان لم يجرّب "تصعيد" التضامن باتجاه "الميدان العسكري"، ويعني أكثر أن "حزب الله"، وهو الطرف الذي يملُك هذه الإمكانية، لم يذهب الى "الخيار التضامني العسكري" مع قطاع غزة، الأمر الذي كان سيقود الى جعل لبنان، وجنوبه خصوصاً، جبهة عسكرية مفتوحة.

الممارسة منسجمة مع خطاب 14 آذار

إذاً، تحقّق إجماع على التضامن مع غزة، وعلى حدوده. وتسجيلُ هذه "الواقعة" لا يُعفي مِن "البوح" بملاحظة سياسية رئيسية.
تبدو المصّلة المشار إليها آنفاً أكثر إنسجاماً مع الخطاب السياسي ـ والثقافي ـ لـ14 آذار وقواها ومكوّناتها، أي أن الممارسة منسجمة مع الخطاب هنا. في حين أن "الصلة" معدومة بين تلك المحصّلة والخطاب السياسي ـ والثقافي ـ لـ"حزب الله"، ما يبعث على الاعتقاد أن المحصّلة هي من جانب "حزب الله" مسألة "عملية"، أي نتيجة "حسابات" متعدّدة تجعله على الأرجح ما دون القدرة على "تصعيد" التضامن والرغبة فيه.
ومع ذلك، فإن المحصّلة إيجابية في حدّ ذاتها. وفي "إطارها"، أمكن تحديد سياسة لبنانية عامة للتعامل مع التطوّرات في قطاع غزة. وتعلن تلك السياسة العامة إلتزام لبنان بالقرار 1701 بكل مندرجاته، ورفض إعطاء إسرائيل أي ذريعة للاعتداء، ورفض جعل لبنان منصّة لإطلاق الصواريخ أو صندوقاً لتمرير رسائل إقليمية.

مواكبة الفلسطينيين في لبنان

ولا مفرّ من التنويه في هذا السياق بـ"مواكبة" الفاعليات الفلسطينية الرئيسية في لبنان لمحصّلة الاستنفار التضامني اللبناني من جهة وللسياسة العامة المقررة لبنانياً للتعامل مع اللحظة الإقليمية من جهة أخرى. ذلك أن الفصائل الفلسطينية ـ المختلفة في فلسطين ـ قدّمت خدمة للبنان ولفلسطين معاً بأن وحّدت موقفها و"حضورها" ومطالبها، وبأن أكّدت حرصها على عدم زجّ لبنان في أي "معمعة"، ما رفع الغطاء عن جهات تدّعي زوراً وصلاً بفلسطين وقضيتها.

"تحييد" لبنان منذ أسبوعين

إلامَ تهدفُ هذه المقدّمات جميعاً؟
إن الهدف ليس خافياً، وهو تظهيرُ خلاصة سياسية "فعلية". فخلال أكثر من أسبوعين من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، أكد الاجتماع السياسي في لبنان حقيقتين. الأولى هي حقيقة "الإنحياز السياسي" بجانب فلسطين وشعبها ووحدتها وقضيتها والتحرّك من هذا المنطلق. والثانية هي حقيقة "الحياد العسكري" أي رفض الدخول عسكرياً الى جانب الفلسطينيين. وأكد الاجتماع السياسي القدرة على "التوفيق" بين "الإنحياز السياسي" و"الحياد العسكري". فكان أن قدّم لبنان خلال الأسبوعين المنصرمين "نموذجاً" عن هذه المعادلة الدقيقة، عن المعنى المقصود دائماً بـ"تحييد" لبنان، وعن المعنى المقصود دائماً أيضاً في اعتبار أن القرار 1701 يكرّس "تحييد" لبنان في البُعد العسكري.

لا أحد "أكثر" من أحد

بكلام آخر، إن تظهير ما حصل في لبنان على أنه "تحييد" للبنان، إنما هو تظهير لـ"وعي" معيّن، وإن كان من شأنه ألا يروق لبعض الإجتماع السياسي في خطابه السياسي والثقافي. وهو تظهير لـ"وعي" معين لـ"الممارسة" المستمرة منذ أكثر من أسبوعين. بل هو دعوة الى مطابقة الخطاب مع الممارسة. ذلك أنه سيكون مستغرباً ومستهجناً جداً جداً أن يقف خطيب من "حزب الله" ـ مثلاً ـ ليحمل على 14 آذار أو ليخوّنها تلميحاً أو تصريحاً، متجاهلاً حقيقة أنه لم يكن "أكثر" منها في شيء في الممارسة، وأنه تقاطع معها داخل الحكومة على وجهة التعامل مع "الحدث" الفلسطيني.

لا شك أن كل المقدمات السالفة إنما تنطلق من وقائع أسبوعين ونيّف، وفيما لا يزال العدوان الإسرائيلي على غزة متواصلاً، أي انها تنطلق مما هو قائم "حتى الآن"، مع إفتراض أن أي متغير جذري لن يطرأ في الأيام المقبلة، على قاعدة أن "خارطة الإصطفافات والتموضعات" الإقليمية مرتسمة سلفاً.
غير أن تلك المقدمات "تقول" أمراً محدداً: بصرف النظر عن "حزب الله" في الخطاب وفي الوعي وفي الظروف، فان "حزب الله" في الموقف السياسي ـ العملي أتاح إنتاج محصلة مؤاتية للبنان.. أفضت الى "تحييده". وذلك "النموذج" الذي أمكن تقديمه في الأيام الأخيرة يستحق أن يُدرس.

"السياسة" لإدارة صراع غير متكافئ عسكرياً

بالنسبة الى 14 آذار، ثمة أمور "مبتوتة" الى حد كبير.
ما يحصل في غزة عدوان إسرائيلي بل مجزرة إسرائيلية. وهذان العدوان والمجزرة يواجَهان بصمود وبتضحيات كبيرة. لا يمكن الحديث عن مواجهة فلسطينية متكافئة، ولا يمكن الحديث عن مقاومة مسلحة تملك نسبةً من القدرة على ردع العدوان قبل حصوله أو على وقفه بعد إندلاعه. والتجربة التاريخية لكل الشعوب تفيد أن إدارة صراع غير متكافئ عسكرياً، هي مسألة سياسية. أي ان الصراع غير المتكافئ يدار بـ"السياسة" وتتخلل إدارة الصراع أشكال نضالية متعددة.

وما يحصل منذ بضع سنوات هو أن "المقاومات" أخذت شرعياتها من الشعب في إطار عمليات إنتخابية ديموقراطية من جهة ومن إندراجها في الوحدة الوطنية لشعبها والشرعية الوطنية لكيانها من جهة ثانية ومن "وقوع" نضالها في دائرة الشرعية الدولية من جهة ثالثة. أي ان "المقاومات" لا "تتخلى" عن شرعيات مكتسبة لتعود الى التفتيش عنها في مواجهات غير متكافئة.. وشديدة الكلفة على شعوبها وناسها.

الخيار ـ النموذج الواقعي.. والسلام الإقليمي

إذاً، بالنسبة الى 14 آذار، إن "النموذج" الذي قدمه لبنان في الفترة الأخيرة، أي "التحييد" العسكري، هو خيار واقعي بدليل انه حصل، ولا بد من دراسته والتأسيس عليه باتجاه أن يلعب لبنان دوراً جاداً في إطار مشروع سلام إقليمي تثبت الحاجة إليه أكثر فأكثر. فإذا كان "تحييد" لبنان شرطاً لسلمه، فإنّ السلام الإقليمي هو "التتمة" للتحييد "المقيم" في صميم "الإنحياز" الى استقلال فلسطين.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل