نتائج العدوان الإسرائيلي على غزة تحدّد صراع المحورين
تهيئة المسرح الاقليمي لتنفيذ السياسة الأميركية الجديدة
اذا كان العدوان الاسرائيلي على لبنان في تموز 2006 لم يتمكن من تحقيق أهدافه، فهل يستمر العدوان على غزة الى ان يحقق أهدافه، بدليل أنه من المرات القليلة التي يرفض فيها المعتدي والمعتدى عليه قرار مجلس الامن وليس القبول به، ثم عرقلة تنفيذه أو حصول خلاف يحول دون تنفيذه؟
والسؤال المطروح في الاوساط الرسمية والسياسية والشعبية هو: لماذا التقت اسرائيل وحركة "حماس" على رفض قرار مجلس الامن الرقم 1860 رغم انه قرار اتخذ بالاجماع مع امتناع الولايات المتحدة الاميركية عن التصويت وكأنها تلتقي ضمنا بامتناعها مع موقف اسرائيل الرافض لهذا القرار؟
ثمة من يقول ان حرب غزة هي حرب بالوكالة عن المحورين المتواجهين في المنطقة: المحور السوري – الايراني ومن معه، والذي يوصف بمحور التطرف، والمحور المصري – السعودي ومن معه والذي يوصف بمحور الاعتدال، وان هذه الحرب قد تستمر الى ان يحقق أحد المحورين أهدافه، قبل ان يتسلم الرئيس الاميركي باراك أوباما السلطة من الرئيس بوش، وتجد ادارته الجديدة نفسها امام واقع ناشئ عن نتائج هذه الحرب فتضطر الى التعامل معه او العمل على تغييره اذا لم يكن يخدم مصالح أميركا وحلفائها في المنطقة.
ويضيف أصحاب هذا الرأي، ان المحور السوري – الايراني يريد أن يفهم الساعين الى وقف الحرب على غزة ان قرار وقفها هو في يده وليس في يد المحور الآخر، لأنه هو الذي يستطيع أن يمون على حركة "حماس" صاحبة السلطة في غزة، كما استطاع أن يمون على "حزب الله" في حرب تموز ويجعله يوافق على القرار 1701 من أجل وقف تلك الحرب، وليس المحور المصري – السعودي الذي لا مونة له على "حماس" بل على "فتح" التي لا سلطة لها في غزة، كما لا مونة له حتى في جعل "حماس" توافق على قرار مجلس الامن حتى ولو وافق الوفد العربي عليه.
لذلك، فان المحور السوري – الايراني يريد ان يكون الحديث معه حول الحل في غزة وليس مع المحور الآخر فقط، لكي يبحث بعد التوصل الى هذا الحل في تحديد الدور السوري في لبنان وصيغة اتفاق السلام مع اسرائيل عند استئناف المفاوضات ومسار المحكمة ذات الطابع الدولي، ودور ايران في المنطقة وتحديدا في العراق وأفغانستان، ومصير الملف النووي. فاذا فقد المحور السوري – الايراني ورقة "حماس" في غزة، فانه قد يفقد ورقة "حزب الله" في لبنان، ويصبح عندئذ في استطاعة المحور المصري – السعودي بالتنسيق والتفاهم مع من هم مع هذا المحور محليا وعربيا واقليميا ودوليا تحديد صورة لوضع المنطقة وللسلام مع اسرائيل تختلف عن الصورة التي يريدها المحور السوري – الايراني.
وهذا يجعل الحرب على غزة حربا غير مباشرة بين هذين المحورين قد يكون لنتائجها انعكاسات على الانتخابات في اسرائيل وعلى الانتخابات الرئاسية والنيابية في فلسطين وحتى على الانتخابات في لبنان، وتجعل الادارة الاميركية الجديدة تتعاطى مع هذه النتائج وترسم صورة للوضع في المنطقة وللسلام العربي – الاسرائيلي، تحافظ على مصالح دول الغرب وحلفائها، وتجعل قوى الاعتدال تتغلب على قوى التطرف تمهيدا لوضع خطة فاعلة لمكافحة الارهاب الذي يشكو منه الجميع.
الى ذلك، فان الحرب على غزة هي في الحقيقة حرب انتزاع آخر أوراق الضغط من أيدي المحور السوري – الايراني التي يساوم بها الغرب ومن يحالفه من العرب، على دور هذا المحور في المنطقة، وعلى طريقة انهاء الصراع العربي – الاسرائيلي حتى ولو تحولت هذه الحرب حربا اقليمية لا بل عالمية، او ينجح هذا المحور في الاحتفاظ بأوراق الضغط هذه كما نجح في الاحتفاظ بها في لبنان رغم توقف الحرب بين اسرائيل و"حزب الله" في تموز 2006. فاذا لم يكن للغرب وتحديدا اميركا واسرائيل مصلحة في توسيع نطاق حرب غزة لتصبح حربا اقليمية او عالمية خصوصا في ظروف مالية عالمية صعبة تحسم الصراع بين المحورين، فان المحور السوري – الايراني قد يبادر الى انهاء حرب غزة والى جعل حركة "حماس" توافق على القرار 1860 شرط المحافظة على سلاح هذه الحركة وعلى سبل تعزيز هذا السلاح الى ان يتم التوصل الى استعادة حقوق الشعب الفلسطيني واقامة الدولة الفلسطينية القابلة للحياة، فيكون ذلك أساسا لتحقيق سلام شامل وعادل في المنطقة ينهي الصراع العربي الاسرائيلي الذي مضى عليه 60 سنة تقريبا. وكما أن هذا المحور جعل "حزب الله" يوافق على القرار 1701، ولكن من دون ان يتم تنفيذه تنفيذا كاملا، ولا حتى الانتقال من مرحلة وقف الاعمال العسكرية الى مرحلة وقف اطلاق النار، ولا تخلي الحزب عن سلاحه ولا عن مدّه بالمزيد منه عبر الاراضي السورية بحيث تنتهي حرب غزة كما انتهت حرب تموز في لبنان بقرار بوقف القتال، لكنه لا يعالج أسبابه معالجة جذرية، فيبقى سلاح "حزب الله" في لبنان ويبقى سلاح حركة "حماس" في غزة الى ان تحسم هذا الوضع نتائج الانتخابات في اسرائيل وفي فلسطين وفي لبنان وفي ايران، فهل هذه النتائج ستذهب بالمنطقة الى حرب فاصلة أم الى سلام شامل في ظل الادارة الاميركية الجديدة؟