#adsense

الرئيس والميزان

حجم الخط

الرئيس والميزان

لبنان معني تماماً بما يجري في غزة. المذابح التي ترتكبها اسرائيل هناك ضخت توتراً في الشارع اللبناني، تماماً كما فعلت في بلدان عربية وإسلامية. والتوتر مضاعف داخل المخيمات الفلسطينية الموزعة في لبنان. ثم ان لدى البلد الصغير أسباباً أخرى للقلق. فحرب غزة هي أول مواجهة واسعة يخوضها الجيش الاسرائيلي بعد الانتكاسة التي مني بها في عدوان تموز (يوليو) 2006 على لبنان. وهذه الحرب تحمل طابع الثأر والرغبة في استعادة الهيبة والقدرة على "الردع".

ليس سهلاً على لبنان التعايش مع حرب طويلة في غزة، ومع مشاهد الجثث الكبيرة والصغيرة موزعة تحت الركام. وليس سهلاً على المخيمات الفلسطينية ان تمارس ضبط النفس حتى النهاية. وليس سهلاً على "حزب الله" التعايش طويلاً مع محاولة سحق غزة و "حماس" معاً. الأمر ليس سهلاً على كل العرب أيضاً، مهما تباينت خياراتهم. وليس سهلاً على إيران التي أظهرت رغبة شديدة في الحضور على المتوسط، وفي صلب النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي.

في بيروت التي أقلقتها حفنة الصواريخ التي انطلقت على شمال اسرائيل، يبقى التعايش مع هذه الحرب مسألة صعبة. غلبني الفضول الصحافي فزرت قصر بعبدا مستطلعاً. رأيت الرئيس العماد ميشال سليمان منهمكاً بمتابعة تفاصيل هذا الوضع الخطير المتحرك، خصوصاً بعد فشل قرار مجلس الأمن في وقف النار. وجدت الرئيس متنبهاً لخطورة الوضع، لكنني لمست لديه مقداراً من الثقة في قدرة لبنان على تجاوز المرحلة ومن دون دفع أثمانها. وخالجني شعور بأن خطوط قصر بعبدا مفتوحة مع الفرقاء القادرين على تصعيد الموقف أو منع التصعيد، والحيلولة دون حدوثه.

شعرت بأن طمأنينة الرئيس، وهي نسبية في الوضع الخطير المتحرك، هي ثمرة عناصر عدة. وحدة الموقف داخل الحكومة اللبنانية حيال ما يجري، على رغم عمق الانقسام السياسي وتوجه البلاد نحو انتخابات نيابية حاسمة في حزيران (يونيو) المقبل. ولا مبالغة في القول إن صيانة وحدة الموقف تشكل الهمّ الرئيس، بل الهاجس الأول، لدى الرئيس التوافقي. العنصر الثاني، الشعور الغالب في البلاد بأن مساهمة لبنان في دعم أهالي غزة يجب أن تتم تحت المظلة العربية، ومع احترام التزامات لبنان حيال الشرعية الدولية، ومن دون تحميله أعباء إضافية وهو الذي لا يزال يضمد جروحه السابقة. والعنصر الثالث هو رصيد الصدقية الذي راكمه الرئيس في علاقاته بكل اللبنانيين وبالمقاومة وبسورية إبان السنوات الأخيرة المضطربة.

ما أصعب مهمة ميشال سليمان. الانقسامات اللبنانية عميقة، والانقسامات العربية عميقة، والوضع الدولي ضبابي عشية تولي إدارة باراك أوباما مسؤولياتها. ومعركة الأدوار والأوراق المفتوحة في المنطقة منذ إسقاط نظام صدام حسين وحرب تموز، تفوق قدرة البلد الصغير العاجز عن أن يكون لاعباً كبيراً أو ملعباً مفتوحاً. ربما لهذا السبب يتحدث الرئيس كمن عينه باستمرار على الميزان وكفّتيه.

ما أصعب مهمة ميشال سليمان. يريد إبقاء فكرة الدولة والمؤسسات حيّة، ويعرف أن لبنان يعيش تحت حطام الدولة والمؤسسات. وعبر المواعيد المتكررة للحوار، يحاول نسج مظلة تحمي الخطوات الوئيدة من رياح الداخل ورياح الخارج. بين معسكر 14 آذار ومعسكر 8 آذار وبين اتفاق الدوحة واتفاق الطائف وبين التمسك بالثوابت وضرورة الرقص مع المتغيرات، تبدو مهمة الرئيس شديدة الصعوبة كي لا نقفل الشباك ونقول إنها مستحيلة.

يتحدث الرئيس باعتدال وحذر عن القوى والأشخاص. يعرف إمكانات الدولة وحدود دوره. يحاول استجماع شيء من القوة للدولة والبلد من دون الاستسلام أو المغامرة أو التسرع. يحتفظ حتى الساعة بحلم الدولة، ويحتفظ أيضاً بالقدرة على التحدث الى الجميع ويحاول امتلاك القدرة على الانتظار، في وضع خطير متحرك.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل