"نبض" رئاسي مختلف
تشكل مواقف الرئيس ميشال سليمان في مجملها، منذ انطلاق الحرب الاسرائيلية على غزة وما أثارته وتثيره من تداعيات على الخريطة الاقليمية والعربية واللبنانية، التزاما بديهيا لموقعه وصلاحياته ودوره كحافظ للتوازنات اللبنانية وقيّم أول على منع اهتزاز هذه التوازنات بازاء عواصف شديدة الخطورة تهب على لبنان. وما كان لهذه المواقف، بالمعايير الدستورية التقليدية، ضمن ظروف لا يخشى فيها على لبنان كنقطة تماس مباشرة وأقرب بقعة مرشحة للالتهاب بتداعيات هذه الحرب، أن تحدث معادلة سياسية جادة في تسليط الضوء مجددا على موقع الرئاسة. أما ولبنان لا يزال في عزّ مرحلة اختبارية لتسوية سياسية بالغة الهشاشة ومثقلة بتراكمات قد يكون أخصها على الاطلاق الخشية من "عوارض" تداعيات حرب تموز أمام تداعيات حرب غزة، فان مقاربة رئيس الجمهورية لهذا الاستحقاق الاختباري الدقيق والخطر لا تقاس حينذاك بالمعايير العادية ولو شاء كثر ان يعزوا الفضل في صمود التسوية الداخلية امام هذه العاصفة الى عوامل أخرى محلية واقليمية.
واقع الحال ان هذه المواقف الرئاسية، ومن ضمنها خطاب الرئيس سليمان امام السلك الديبلوماسي وتعريفه المتعمد عبر هذا الخطاب للمفهوم القانوني والواقعي للعلاقات الديبلوماسية بين الدول، تكتسب أهميتها ودلالتها ليس من وحي اللحظة السياسية في المنطقة ولبنان فحسب بل من كونها تشكل اختبارا اضافيا للرئيس سليمان في مسيرة تقديم نفسه منذ ثمانية أشهر المرمم لموقع الرئاسة ودورها في اعادة بناء التوازنات الداخلية سواء بسواء. وليس خافيا ان هذه المسيرة التي ما تزال في بداياتها، كفلت لصاحبها حتى الآن التحصن بالموقع التوافقي الذي غالبا ما يترجم في المفهوم الواقعي تقاطع المصالح المحلية والخارجية بدليل صمود التسوية السياسية التي جاءت بالرئيس سليمان الى سدة الرئاسة. لذلك تعين على الرئيس سليمان ألا يقبع عند هذه النقطة وأن يمضي أبعد في تقديم مفاهيمه ومقارباته التي يرصده فيها الاقربون والأبعدون خصوصا ان ثمة ميزة يحظى بها وهي أشبه بسلاح ذي حدين. فهو الرئيس الذي لا يزال أمامه خمس سنوات وأربعة أشهر في موقعه، بما يعني ان عهده سيشهد انتخابات لمجلسين نيابيين. وبمعنى أوضح فهو المرشح الاكثر رسوخا في موقعه من سائر الزعامات السياسية القائمة على قواعد التمثيل النيابي، أقله من الناحية النظرية. بذلك لا يكفي الرئيس سليمان التحصن دوما خلف صورة الرئاسة التوافقية وحدها، ولو أن ظروف الازمات والانفجارات اللبنانية المتعاقبة على الاقل منذ عام 2005 ضغطت بقوة جامحة نحو احلال رئيس توافقي في بعبدا.
أهمية المواقف التي أطلقها الرئيس سليمان في الفترة الاخيرة هي انها أبرزت في لحظة خوف شديد من انجراف انفعالي وعاطفي ومعنوي مع الحدث الفلسطيني، النبض السيادي المتصل بمنع انزلاق لبنان الى ما سبق اليه غزة نفسها في هذا الجحيم المتدحرج. وليس من المغالاة في شيء أن يتسم موقف رئيس الجمهورية من مسألة رفضه اطلاق الصواريخ "المشبوهة" أو من رفضه التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، او من رفضه أي دروس ومزايدات على لبنان في التعاطف والتضامن مع الفلسطينيين، بأهمية استثنائية ما دام لبنان مرشحا في غرف معتمة للزج في الحلقة التالية بعد غزة. هذه المواقف في ذاتها هي مبادىء بديهية حتمية ليس في خط سياسي استقلالي سيادي تعتنقه مجموعات او قوى سياسية وحزبية، بل في مضمون الدستور ومواده وروحه واجتهاداته، وما كانت هذه المواقف لتحرك ساكنا لو كان لبنان "دولة عادية" ولو لم يكن لبنان مرّ في عهوده الاخيرة بـ"أيديولوجيات" شرعنت كل ما من شأنه ان يجعل الدولة ملحقا بالمفاهيم "الثورية" الى حد تقويض الدولة بمفاهيمها البدائية. ولعل افضل ما فعله الرئيس سليمان هو أن تحصن بـ"الكتاب" اياه، الذي يبدو ان ملهمه الرئيس فؤاد شهاب لا يزال يشكل مرجعه. فالكتاب هذا، بنسخته المحدثة بعد الطائف، لم يستو بعد على نبض استقلالي تام وناجز، مثلما لا تزال الجمهورية في طريقها الى تلمس الدولة التي تحميها. واذا كانت مواقف الرئيس سليمان الاخيرة قد أحدثت فارقا استثنائيا، فذلك وحده كاف للدلالة القاطعة على أن موقع الرئاسة يستوفي دوره التوافقي بنبضه السيادي.