#adsense

الحكمة… والتطرف

حجم الخط

الحكمة… والتطرف

…. اذا كان الحديث يتركز، في ظل المجازر الاسرائيلية البشعة في قطاع غزة، على الشرعية العربية ودورها، فمن ضرورة الضرورات تثمين الدور الفائق الأهمية لمصر في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ العرب، واستدراكاً، فإن التشكيك في هذا الدور يصب في مصلحة العدو الاسرائيلي، لان مصر كبرى الشقيقات العربيات، وهي تدرك تماماً من خلال خبرتها وتجربتها وقيادتها الحكيمة أبعاد ما يجري ودلالاته، وكل العرب يعلمون علم اليقين ان مبادرات مصر كانت دائماً تصب في مصلحة القضايا العربية، ومن المفترض ألا ينسى أحد ما قدمته مصر طوال تاريخها الحديث من تضحيات جسام في سبيل قضية فلسطين، وقد خاضت سلسلة من الحروب الشرسة، واحتلت أرضها، وارتكبت بحقها المجازر المهولة، خصوصاً في مدرسة بحر البقر ومصنع ابو زعبل، ودمرت بعض مدنها على ضفاف قناة السويس، وعاشت مرحلة تقشف، وعانت الحصار، وكل ذلك كان في سبيل فلسطين وأهلها.

… فهل يا ترى نسي البعض كل تضحيات مصر، ليتنطح اليوم للتهجم عليها وعلى قادتها من دون أن يفكر هذا البعض في أن مصر أكبر من كل المشككين، وأكبر من اولئك الذين يعملون لخدمة أهداف وملفات غير عربية؟

… وإذا تطرقنا الى الحديث عن قطاع غزة، فمن الضروري معرفة ان هذا القطاع يمثل الخلفية الامنية لمصر، واستقراره هم مصري، ليس حاضراً بل في الماضي والمستقبل أيضاً، ومعبر رفح ليس هو القضية، بقدر ما أن القضية بالنسبة الى مصر هي حماية أهالي قطاع غزة، ومنع العدوان الاسرائيلي المستمر والمتواصل عنهم.

.. الآن، تتعالى مصر على الجراح، وتضع جانباً كل ما قيل زوراً وبهتاناً في حقها، فقامت بطرح مبادرة، واستقبلت ممثلين عن حركة "حماس" لمناقشتهم في ما تطرحه، وهمها الوحيد وضع حد للعدوان الاسرائيلي ومنع حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني.

… إن تاريخ مصر كان ولا يزال الدفاع عن قضايا العرب، وهي لن تتوانى عن تقديم ما يلزم وما تستطيع لخدمة هذه القضايا وعلى رأسها فلسطين وأهلها، وهي تتصرف بحكمة وروية وهدوء بعيداً من التشنجات والانفعالات وسياسة المغامرات، وليس من الجائز على الاطلاق التهجم عليها واتهامها بما هي ليست فيه على الاطلاق.

.. وإذا أراد البعض تصنيفها في خانة المعتدلين، فهذا ليس عيباً على الاطلاق، فالاعتدال هنا له ايجابياته الكبرى، لان التطرّف من أي جهة كانت يؤدي الى ردود فعل غير محسوبة على الاطلاق، ومع اننا نميل الى عدم استعمال مثل هذه المصطلحات وتصنيف العرب بين معتدلين ومتطرفين، فإننا نؤكد بما لا يدع اي مجال للشك أن التطرّف الأعمى هو سمة من سمات عدونا الاسرائيلي، وليس صفة عربية أو إسلامية على الاطلاق.

.. من هذه المنطلقات، فإن دول القرار العربي، وعلى رأسها مصر والمملكة العربية السعودية، تتصرّف بحكمة وشجاعة، وعندما تطرح المبادرات فإنها تدرسها بدقة، والهدف النهائي هو خدمة القضايا العربية.

.. إذ أن المملكة العربية السعودية تحركت قيادتها وبشدة، ممارسة الضغوط لايقاف حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني، وذهب وزير خارجيتها الامير سعود الفيصل الى الامم المتحدة، وبنتيجة جهوده صدر القرار 1860، والداعي الى وقف فوري لاطلاق النار، وكذلك قام شعبها بحملة تبرعات لغزة وأهلها، وسجل أرقاماً مليونية، إضافة الى أن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز اتصل مراراً بالرئيس الاميركي جورج بوش طالباً منه وبإصرار الضغط على العدو الاسرائيلي لايقاف حربه الظالمة ضد أهالي غزة.

وهل ينسى البعض ان خادم الحرمين الشريفين قبل العدوان عمل وبجهد كبير لإعادة اللحمة والوحدة الى الصف الفلسطيني، واستطاع جمع رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في مكة، وقد أقسم حينها الطرفان، ويدهما على القرآن الكريم، بعدم اللجوء الى السلاح ضد بعضهما البعض؟.

.. إن الملك عبدالله بن عبد العزيز برؤيته البعيدة كان يعرف تماماً أن الإنقسام الفلسطيني سيؤدي الى إعطاء الفرصة لإسرائيل لضرب الفلسطينيين، والآن، وبعدما جرى ما جرى، استمر خادم الحرمين الشريفين بمطالبة الفلسطينيين بالعودة الى وحدة الصف في مواجهة الصلف الاسرائيلي.

.. في هذا الوقت بالذات تصدر من آخرين أصوات نشاز تزيد من الفرقة في الصف الفلسطيني، وأعجب ما سمعناه أمس من دولة قطر موقفاً يشكك في الموقف العربي، من دون ان ننسى ان بين قطر وإسرائيل علاقات تجارية وسياسية ممتازة وناشطة، وفي الدوحة مكتب اتصال اسرائيلي؟!

.. لقد آن الاوان لموقف مسؤول من الجميع، إذ أن وضع حد للعدوان الاسرائيلي لا يكون بالشعارات الفضفاضة الملغومة، بل بموقف حكيم وواع لكل الظروف.

المصدر:
الشرق

خبر عاجل