#adsense

الحرب تبرز وقائع إقليمية ولبنانية مغايرة للمراحل السابقة

حجم الخط

الممانعة محصورة بـ"حماس" و"حزب الله" حيال مشاريع التسوية
الحرب تبرز وقائع إقليمية ولبنانية مغايرة للمراحل السابقة

افرزت التطورات التي رافقت الحرب الاسرائيلية على غزة مجموعة من الامور يتعلق بعضها بلبنان والبعض الاخر بالمنطقة، على رغم ان الكثير من هذه الامور لم يتم التوقف عندها ولم تأخذ حقها كعوامل يمكن ان تكون معبرة في ذاتها، كما يمكن ان تكون مؤثرة في شكل قوي في مرحلة ما في المستقبل القريب. ذلك ان الانشغال بالحرب المتواصلة والبحث في سبل وقفها لا يسمحان عموما بايلاء حوادث مهمة موازية أهمية كبيرة، ومن بين هذه العوامل:

ان الاجماع اللبناني على عدم توريط لبنان في حرب جديدة كان امرا ايجابيا الى حد بعيد ويعكس التقاء مصالح الافرقاء الداخليين والبعض يقول الخارجيين ايضا على توفير الاستقرار للبنان في هذه المرحلة. فعدم رغبة احد في اخذ لبنان الى حرب جديدة كان امرا مرجحا بالنسبة الى الكثيرين في الداخل والخارج، لكنه ظهر بعد الاجماع الاخير في مجلس الوزراء على انه امر مؤكد وليس فقط مرجحا، وهو ما يشيع اطمئنانا في الداخل وبالنسبة الى المتطلعين الى لبنان كمساحة اقتصادية ومالية محتملة بعد الازمة المالية العالمية. ولا يغفل المعنيون المضمون القوي والمهم والمتعدد البعد الذي عبر عنه رئيس الجمهورية ميشال سليمان في مجموعة المواقف التي اطلقها ابان زيارته للجنوب والتي تزامنت مع انطلاق الحرب الاسرائيلية على غزة وما بعدها. وقد انطوت هذه المواقف على عناوين سيادية افتقدها لبنان لمدة طويلة ولا يمكن التشكيك في مطلقها من موقعه حاميا للدستور وللوطن.

اظهرت هذه الحرب تراجعا لاندفاع اقليمي ظاهري على الاقل للتشجيع على تسعيرها بحجة محاربة مشروع اميركي في المنطقة وما شابه ذلك من العناوين التي سادت خلال حرب تموز 2006 على رغم بعض المواقف الكلامية الاستيعابية التي لم تشهد ترجمة فعلية لها. فالمحور المعادي للتحرك العربي لم يظهر قوة كافية في التعبير عن نفسه باعتبار انه ظهر عاجزا من جهة عن الدخول في الحرب، او من جهة اخرى عن منع هذه الحرب او وقفها عبر دور وسيط، بل على العكس، دخلت تركيا الساحة متشجعة بما احرزته من تقدم في وساطتها على المسار السوري الاسرائيلي، لكنها منيت هي ايضا، وعلى رغم تحقيقها تقدما مهما في جعل دورها مقبولا من الدول العربية بنوع خاص واحراجها سوريا لدى بدء وساطتها فور انطلاقها، بخيبة امل لعدم قبول وساطتها من اسرائيل اولا، ثم لعدم قدرتها على بلورة دور واضح ومؤثر في مجلس الامن الدولي.وقد اظهر هذا المحور المعادي للتحرك المصري ومن يؤيده تناقضا يعتقد انه سيكون له تداعياته في المستقبل القريب، ذلك ان كل المواقف التي اطلقتها حركة "حماس" وكذلك "حزب الله" ركزت في شكل اساسي على ان التفاوض مع اسرائيل لا يؤدي الى نتيجة، وان الاعتقاد بان السلام ممكن مع العدو هو خطأ جسيم على ما ردد قادة التنظيمين المعنيين في حين ان سوريا كانت على وشك الانتقال الى مفاوضات مباشرة مع اسرائيل قبل اقل من 24 ساعة على انطلاق الحرب على غزة. وهذا الامر يثير تساؤلات كثيرة، خصوصا ان زوار العاصمة السورية في الايام الاخيرة خرجوا على الاقل بنتيجة واضحة لا لبس فيها كما يقولون، هو استعداد سوريا لانجاز السلام مع اسرائيل فيما تطرح تساؤلات جدية عن المنحى الذي يمكن ان تتجه اليه العلاقة بين التنظيمين المذكورين وموقفهما من السلام مع اسرائيل وسوريا في مسعاها المتناقض معهما.

ومعلوم ان السؤال يطرح بالقوة نفسها في ما خص قدرة سوريا فعلا على الذهاب الى سلام يبدو جديا وحاسما مع اسرائيل، في وقت لا تبدو الامور مشجعة بالقوة نفسها على المسار الفلسطيني باعتبار ان سوريا اتخذت مواقف جذرية من مصر والاردن على قاعدة انجاز سلام مع اسرائيل استبق السلام المرجو على الصعيد الفلسطيني ولن يكون في استطاعتها القيام بذلك بدورها. الى ذلك، يعتقد ان تعليق الاتراك المفاوضات غير المباشرة بين سوريا واسرئيل غداة انطلاق الحرب الاسرائيلية على غزة ثم مواقف كل من "حماس" و"حزب الله" في شأن اعتبار المقاومة الخيار الوحيد المتاح على نقيض ما كان اعلنه الرئيس السوري من ضرورة الانتقال الى المفاوضات المباشرة اذا اردنا اقامة السلام سلط الضوء على واقع تسوده تعمية كبيرة في الاعلام وعلى المنابر الخطابية. يفيد ان ما يسمّى دول الاعتدال ودول الممانعة في المنطقة هو اشبه بما يكون مناورة كبيرة في هذه المرحلة بالذات، اذ انه في ضوء الموقف السوري الاخير على نحو خاص والذي يتعدى المواقف المعلنة الى مضمون اللقاءات الخاصة لمسؤولين غربيين مع المسؤولين السوريين، فان لا استراتيجيات متعارضة بين الدول العربية في موضوع التسوية في المنطقة، بل هناك تكتيكات مختلفة وربما صراخ متزايد في الوقت نفسه. وهناك تنظيمات ممانعة لعملية السلام وهما حركة "حماس" و"حزب الله"، لكن الدول العربية هي في التوجه نفسه على رغم اختلاف المواقع، ما خلا دخول ايران على الخط اعلاميا وسياسيا لابراز هذا الاتجاه بقوة على الصعيد الشعبي، اكثر مما هو في الواقع في سياسات الدول العربية.

وهذا الواقع كان له تأثير في الحرب على غزة، على ما يعتقد المعنيون، وسيكون له تأثير اكبر في المرحلة المقبلة ايضا.

المصدر:
النهار

خبر عاجل