غزة ليست لبنان !
ان مشاهد العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة تعيدنا بالذاكرة الى حرب تموز عام 2006 وما كانت لها من آثار أليمة على اللبنانيين، بعدما صبت الدولة العبرية جام غضبها واستخدمت كل آلتها العسكرية المدمرة على لبنان. غير انه يجب التفريق بشكل كامل، وواضح جداً بين العدوان على غزة وحرب تموز وما هنالك من فوارق بين الحالتين اللبنانية والفلسطينية.
واذا كان العدو هو نفسه واذا كانت وسائل العنف والارهاب التي يستخدمها للتدمير وفي محاولة اخضاع الشعبين اللبناني والفلسطيني متشابهة، واذا كان هذا العدو يحاول ان يستعمل في هاتين الحالتين الاساليب نفسها في "البروباغندا" وتحوير الحقائق لتحويل دوره من المعتدي والجلاد الى الضحية، لكن اوجه الشبه بين لبنان وقطاع غزة تتوقف عند هذا الحد، حيث يخوض الفلسطينيون المعارك ضد اسرائيل لاستعادة وطنهم الذي سلبهم اياه اليهود واملاكهم التي سرقتها اسرائيل منهم وليتمكنوا من العيش في منازل الاباء والاجداد التي تعرضت للهدم والدمار ولا تزال، ولاستعادة جنسيتهم التي حاول الاسرائيليون ان يمحوا آثارها من الوجود. بينما تحمل اللبنانيون بكاملهم اوزار العدوان على بلدهم عام 2006 في حين كان السيد حسن نصرالله كان هو من قرر بمفرده ان يحدث ما حدث.
ويؤكد السيد نصرالله ان لا غنى عن سلاح ميليشيا حزب الله للدفاع عن لبنان في وجه الاعتداءات الاسرائيلية ويرفض بشكل قاطع ان يفقد المقدرة على القيام بعمليات عسكرية ضد الدولة العبرية. غير ان هذه الذريعة غير صحيحة انطلاقاً من ان دول الطوق الثلاث اي سوريا والاردن ومصر لم تتعرض لاي عدوان اسرائيلي منذ عقود خلت، على رغم ان دمشق كانت طوال كل هذه الحقبة الملجأ للتنظيمات المتطرفة والمعادية لاسرائيل. مما يدفع الى التيقن من وجود اكثر من طريقة واسلوب لحماية لبنان من اي عدوان اسرائيلي. وما في وسعنا ان نفعل طالما ان حزب الله، وهو تنظيم تموله ايران بشكل كامل، ويجاهر مسؤولوه بانتمائهم التام الى الثورة الايرانية، قد جعل لبنان قاعدة لاطلاق الصواريخ على اسرائيل من دون ان يأخذ في الاعتبار في اي شكل ارادة الشعب اللبناني من هذه المسألة؟
وتحت عنوان العمل على تحرير مزارع شبعا، وبعدما تحرر الجنوب اللبناني، قامت المقاومة الاسلامية بسلسلة من العمليات العسكرية التي ادت الى سقوط عدد من جنود الاحتلال الاسرائيلي. وقد اكد حزب الله انه سيحتفظ بسلاحه حتى لو وضعت حلول لكل المشاكل بين لبنان واسرائيل، بعدما اعربت اغلبية الشعب اللبناني عن تمسكها باسترجاع المزارع بواسطة الوسائل الديبلوماسية. والحقيقة انه بقدر ما تحتاج اسرائيل الى حركة حماس وحزب الله لتستمر في ايجاد المبررات لسياساتها التوسعية فإن حزب الله يحتاج ايضاً الى سياسات العنف والارهاب الاسرائيلية ليبرر استمرار تحكمه بالمعادلة اللبنانية بواسطة سلاحه. ورب ضارة نافعة، اذ اتت مصائب قوم غزة لتنفع حزب الله في التملص من اي حوار حول استراتيجيته الدفاعية.
من وجهة نظر اسرائيلية، يشكل حزب الله خطراً دائماً وحقيقياً على كيانها. انطلاقاً من اهدافه والتصاقه الكامل بايران، وبالنسبة الينا نحن اللبنانيين غير المرتبطين بايران، فإن وقوع اي حرب بين اسرائيل والحزب ستكون بمثابة صراع بين الدولة العبرية وايران ومناصريها اللبنانيين على اراضينا. وفي هذا الصراع وخلافا لما هو واقع الحال مع الفلسطينيين، فإن اللبنانيين سيخسرون كل شيء ولن يكون هناك ما يربحونه حيث سيذهب اي ربح الى كل من حزب الله والسوريين والايرانيين على حساب الشعب اللبناني، الى جانب ما يفرضه عليهم ذلك من معاناة وعذابات. والحقيقة ان هذه الحرب بين حماس واسرائيل تناسب تماماً حزب الله الذي يستخلص منها عبرا خاطئة ليرفض البحث في تسليم سلاحه الى الدولة.
ولكن، هل تلقى المسؤولية الكاملة على عاتق من سيتسبب باندلاع اي حرب جديدة بين اسرائيل واي تنظيم على ارض لبنان؟ وهل يمكن ان يكون سائر اللبنانيين ابرياء من امر كهذا؟
الاجابة بسيطة على ذلك، هي انه اضافة الى مسؤولية حزب الله الفعلية، هناك مسؤولية على عاتق حلفائه الذين سهلوا للحزب ان يتسلح، وان يحوّل جنوب لبنان قاعدة لاطلاق الصواريخ، من جراء الدعم الذي قدموه اليه.
وهناك ايضاً مسؤولية الذين قرروا الوقوف على الحياد طوال فترة المواجهة بين قوى 14 آذار و8 آذار، من دون ان يتنبهوا الى ان صمتهم ساهم في اضعاف بناء الدولة اللبنانية السيدة وفي تعزيز دولة حزب الله. وتتحمل القوى السيادية قسطاً من المسؤولية في هذا الاطار بسبب عدم مقدرتها طوال ثلاث سنوات ونصف سنة تقريباً على تحقيق ارادة الشعب في السيادة والاستقلال وترجمتها بنتائج سياسية ووطنية، مع ان الفرص المناسبة لم تكن لتنقصها في سبيل الوصول الى هذه الغاية.
واذا كان السيد نصرالله سيرغب في الاقدام مجدداً على اي مبادرة عسكرية، فإن ذلك سيكون قد تقرر خارج لبنان ولن يكون قد خضع للنقاش او لاتخاذ القرار بشأنه من قبل الحكومة اللبنانية. الا ان تداعياته ستصيب كل اللبنانيين وسنتضامن جميعاً امام مآسينا اذ ان في صفوف حكومة الوحدة الوطنية وزراء من قوى 8 آذار و14 آذار، وهي كانت ساوت في بيانها الوزاري بين الجيش والشعب والمقاومة، كأنها تتضامن مع المقاومة الاسلامية.
وفي الحقيقة ان خطر وقوع مواجهة قائم في الوقت الحاضر، واذا شنّت اسرائيل من جديد حرباً على لبنان، فهي لن تكتفي بالعدوان على مواقع اطلاق الصواريخ، بل انها ستلجأ الى الضرب في كل مكان على الاراضي اللبنانية. ونحن نغفل عن ان تفادي وقوع اي حرب جديدة يكون بالاكتفاء بأن نتحلى بالشجاعة وبأن نكون حاسمين في التعامل مع فئة لبنانية تعتقد بأنها فوق الجميع وبأنها قادرة على زجنا في اي مغامرة في اي وقت كان لحساب طرف ثالث.
ان اللجوء الى التسويات باستمرار او تأجيل المواجهات او الخشية من فقدان امتيازات سياسية، ان كل هذا يؤدي الى مراكمة هذه الاساليب وهي تتسبب باضعاف المواقف على المدى الطويل مما يزيد حدة التأزم وسلبيات مفاعيله في مختلف الميادين. في حين تتطلب مواجهة الازمات السياسية الكثير من الحسم وعدم تأجيل الاستحقاقات.
ان الاحداث التي ادت الى انطلاقة ثورة الارز والى تظاهرة 14 آذار 2005، اثبتت انه ما كان يبدو مستحيلاً يمكن انجازه من خلال التحلي بالشجاعة والارادة الكاملتين، وبالاقدام على المجازفة، وبالحسم. وكان الهدف من كل ذلك ان يستعيد الشعب اللبناني حقه في تقرير مصيره. لكن ثبت ان الارادة الشعبية التي تجلت في فوز اكثرية نيابية لم تكن الا وهمية امام الابتزاز المسلّح من جهة وبسبب عدم مواجهته بكل حسم وجدية وفعالية من جهة ثانية.
ولعل الاكثر اهمية في الظروف الراهنة ان يقرر اللبنانيون من الآن حتى الانتخابات النيابية ما اذا كانوا يريدون ان يستمروا اسرى دائمين لسلاح ميليشيا حزب الله، او البقاء تحت وطأة الخوف المستمر من خطر اندلاع حرب فجائية ضد اسرائيل يقررها السيد حسن نصرالله في اي وقت كان، او ان ينطلقوا لمرة واحدة ونهائية نحو استكمال استعادة سيادتهم ويعيدوا الى الشعب اللبناني حقه في تقرير المصير.