غزة الجريحة بين المعتدلين والممانعين
من غير المنطقي، ومن غير المقبول ما يجري على أرض غزة اليوم من جرائم حرب، ومن مذابح، ومن انتهاك لشرعة حقوق الإنسان، والمواثيق الدولية. ومن غير المقبول كذلك هذا الصمت العربي، وكأن هناك مشاركة في هذه المذبحة، صمت إن دلّ على شيء، فإنما يدلّ على هذا الخنوع وعلى التبرؤ من القضية الفلسطينية. هذا هو موقف اللاموقف. موقف لم يعد فيه لأمة العرب مكان للسيف والرجولة. أفلم يخجل العرب بعد من موقفهم وسلوكهم هذا؟ أفلم يخجلوا من أمسهم الزاخر بالمجد والفخر. أفلم يحن الوقت للنهوض واليقظة؟ لا، لا كفى وألف كفى الإغراق في سبات عميق! لا، لا كفى وألف كفى النوم والرقاد الى ما لا نهاية! لقد جاءكم الطاغوت أيها العرب وأنتم في غفلة من ذلك. فإذا كانت بعض الدول العربية تعتمد منطق الاعتدال والتسويات، وإقامة المعاهدات، فما بالكم من الدول العربية التي تدعي الصمود والتصدّي والممانعة. السؤال: هل الممانعة بالتفرّج على ما يجري من إراقة دماء وسبي نساء. فأين الممانعون مما يحصل في غزة، على كل حال، الوقت ليس وقت انتقاد، أو توجيه لوم لأحد. الوقت وقت رأب الصدع، وشد الأزر، حفاظاً على القضية والمصير. إلا أنه للأسف كل الأسف أن يدّعي الممانعون الحرص على القضية الفلسطينية وهم في حلّ منها ومن الحفاظ على القرار الفلسطيني المستقل، على اعتقاد منهم أن لا مُوازاة ولا توازن من حيث ترسانات الأسلحة وتكديسها التي تمتلكها إسرائيل، ومن حيث الدعم الذي تتلقاه، وبالتالي لا إمكانية للمواجهة. لقد غاب عن الممانعين أن المسألة ليست كذلك، المسألة هي في أخذ القرار، وتوحيد الجهود، فمهما كان هنالك من مبررات، فهذا لا يعفيهم من واجباتهم، والتزاماتهم تجاه أبنائنا في غزة وتجاه الحق والحقيقة، وتقرير المصير. الواضح حتى الآن أن لا خطة ولا نية للممانعين بالمواجهة والمجابهة. المواجهة تقف عند حدود الرد في الوقت المناسب. وعلى هذا، فإن الألفاظ التي يستخدمها الممانعون أصبحت ممجوجة، وفخمة شكلاً، جوفاء مضموناً تخلصاً من دورهم القومي، في وقت يبقى فيه هذا النظام في دائرة الاعتداءات الإسرائيلية وليس أدل من ذلك على الهجمات على منشآته أياً كانت هذه المنشآت. ومع ذلك، ما زال يكابر ويدّعي الرد (وأي رد!).
رد على غزة الصابرة! فكيف يسمح هؤلاء ان تعلو راية لاسرائيل فوق راية العرب؟ هنالك تساؤلات وعلامات استفهام كثيرة. أما السؤال الأهم، فكيف يكون هنالك ممانعة، والأرض محتلة وسائبة، وقد دنسها العدو بنعاله، وهل يحق لبلد حمل شعار التصدي في وقت تخلى فيه عن جزء من ارضه وعن القضية القومية، لب الصراع العربي ـ الاسرائيلي، علماً ان كل تراب محتل يجب استعادته وتحريره من الغضب، وبذل كل ما يملك من قدرات وامكانيات لاسترجاع ارضه المسلوبة، وعليه، على هذا النظام ترك شعار الصمود والتصدي الفارغ، وليباشر في عملية التحرير، كما فعلت دول كثيرة على مر التاريخ، وليدع المهادنة والمداهنة جانباً، وليبدأ المقاومة! الشكوك لا زالت تساورنا حول اذا ما كان هذا النظام يريد استعادة ارضه. ان الناظر والمترقب لما يجري يستنتج ان هذا النظام لا يريد تحرير ترابه، بل الحفاظ على نظامه، اذ من الطبيعي ان لا يقوم بحركة تحرير تهدف الى استرجاع الجولان. وليس ادل على ذلك من حرمان شعبه من ادنى مقومات العيش والحرية، حرية الرأي، والتفكير والمعتقد. وها هي سجون سوريا واقبيتها شاهدة على ذلك. فالمقاومة بالنسبة لهم تعني السقوط، سقوط نظامهم. بهذا، رفعوا راية الاستسلام لا السلام، فضربوا كل من نادى بالتحرير ورفعه شعاراً. وبهذا استمر هذا النظام وبقي، علماً انهم لو فعلوا لكان هنالك متغيرات فعلاً. ولو احتذوا حذو لبنان وحذو مقاومته، لوشحوا بأوسمة من التاريخ، ولحملوا اكاليل النصر والغار، ولأعادوا للعرب امجادهم من المحيط الى الخليج. الا ان شيئاً من ذلك لم يحدث. (فوا عجبا) والعجيب الغريب انهم ما زالوا يحملون شعار المقاومة اللبنانية والفلسطينية وهم ابعد الناس عن المقاومة وعن روحيتها. ومع ذلك ما زالوا مستمرين في غيهم وضلالهم، وهذا ما لا يقبله عقل ولا منطق. فلتفعل سوريا كما فعلت المقاومة في لبنان وما حققت من انتصارات عام 2000 وعام 2006، وعليه، لماذا لا تتبنى سوريا الخط المقاوم. سوريا العروبة، وصاحبة الشعار امة واحدة ذات رسالة خالدة، فأين هي الآن مما يجري في غزة؟ وأين الممانعة والصمود والتصدي. الذي تبين ان كل ذلك كلام بكلام ووهم بوهم.
كما تبين انهم يريدون غيرهم وقوداً وورقة دفاعاً عن مصالحهم. وعن بقائهم في ابراجهم، تاركين الحبل على الغارب، متلطين وراء المقاومين وصولاً الى طاولة المفاوضات، طاولة التنازلات، ليقلبوا من بعد ظهر المجن للمقاومين، الذين قدموا ما لم يقدمه احد من هؤلاء المزايدين، المستفيدين دون اهراق نقطة دماء. الممانعة عندهم تعني لا مانع من تكسير اجنحة المقاومين، ولا مانع من اقامة التسويات المشبوهة، ولا مانع من بقاء الجولان تحت كنف القتلة وسفكة الدماء البريئة في غزة. فمن لا يقدم لا يحق له التكلم عن القضية الفلسطينية، ويتهم الآخرين بترك الفلسطينيين يتخبطون في مصيرهم، لا سيما الممانعون منهم، في وقت يقومون فيه بمفاوضات سراً ومن تحت الطاولة. علماً أنه كان من المفترض الالتزام بمقررات مؤتمر مدريد الواضح للعيان والذي لا يختلف عليه اثنان بعد موافقة الدول العربية عليه بما في ذلك سوريا على قاعدة "الأرض مقابل السلام". ومع ذلك لا يعتري الممانعين الخجل من توجيه الاتهامات "لدول الاعتدال" بالتنازل أمام إسرائيل، وتقديم السلام على طبق من ذهب في وقت تهدر إسرائيل الدماء الزكية والبريئة في غزة! علماً أن سوريا كانت ولا تزال في مقدمة من رفع شعار السلام، في إطار المبادرة العربية للسلام. أما السر العُجاب، فهو قيامهم بمفاوضات مع إسرائيل خِفية يوم كانت إسرائيل عام 2006 تدكّ لبنان بحجره وبشره. ومن بعد هذه الاستجارة بتركيا وطلب التفاوض من خلالها مع إسرائيل، تارة سراً وتارة علناً، والإعلان عن رمي أوراقها يوم يعتلي نظام جديد سدة الرئاسة في أميركا. ناهيك عن الطلب من لبنان أن يفعل فعلتها أما طاولة المفاوضات يوم تدق ساعة الصفر، علماً أن لبنان أعلن مراراً وتكراراً أنه لن يوقع معاهدة سلام إلا بعد توقيع الجميع. لقد عودنا نظام الممانعة متى يقدم ومتى يحجم. يقدم عندما تلوح في الأفق ملامح انفراجات دولية، فيُعلي رايات وشارات النصر، تهرباً من التزاماته، وتغطية لسلوكه، موقعاً سلفاً صك الاستسلام. والاكثر تعجباً هو أن من يدور في فلكهم يهاجمون من دون خجل موقف دول الاعتدال، وهو موقف قد يكون في بعض جوانبه ليس على مستوى المرحلة، وعلى مستوى ما يجري في غزة الآن، ولكن، في المقابل، هل يحق لهم التهجم والتكلم وهم في حالة من التعاطي والتفاوض مع إسرائيل كأسيادهم، محتفين بمبعوثيها، مُحسنين استقبالهم، ضاربين بعرض الحائط حق الشعب الفلسطيني وتقرير مصيره وقراره المستقل. وأخيراً، الممانعة يُعرف لها اسم، ولا يُعرف لها وجود، تاركة غزة ومصيرها، مستخدمة إياها وقوداً حتى تستنفذ قواها لتفاوض ومن ثم تساوم في وقت تسيل فيه دماء أبنائنا وأطفالنا في غزة الجريحة وفي وقت يجب أن تفتح فيه الجبهة سيما وأنها المتضرر الأكبر باعتبار أن أرضها محتلة منذ اكثر من ثلاثين سنة ونيّف. في هذه الحالة فقط يحق للممانعة توجيه اللوم الى الآخرين، وما عدا ذلك هو هراء بهراء وكلام بكلام.