وقف الحرب أولوية… قبل الخلافات الفلسطينية!
الصمود البطولي لغزة وأهلها الأبطال بمواجهة آلة النار والدمار الإسرائيلية يُحمّل القيادات الفلسطينية خاصة، والقيادات العربية والإسلامية عامة، مسؤولية مضاعفة أمام الله والتاريخ للعمل بالسرعة اللازمة، وبالجدية المطلوبة، لوقف حرب الإبادة الهمجية التي يتعرّض لها فلسطينيو غزة منذ أكثر من خمسة عشر يوماً.
كل ساعة تمر قبل وقف هذه الهجمة العدوانية الشرسة على شعب أعزل إلا من إيمانه بوطنه وبقضيته، يعني تعريض حياة عشرات العائلات للخطر، ويعني المخاطرة بمصير أطفال اليوم، شباب الغد، الذين لا يتورّع العدوان الإسرائيلي عن ملاحقتهم واصطيادهم من منازلهم ومن مخابئهم، ويعني قبل كل ذلك، إفساح المزيد من الوقت أمام العدو الحاقد لإلحاق المزيد من الأذى والخراب بمدن غزة وأهاليها الصامدين الصابرين.
إن وقف آلة هذا العدوان الجهنمي يجب أن يكون هو الأولوية المطلقة، على كل ما عداه من البنود الأخرى، بما في ذلك فتح المعابر وإنهاء الحصار، ومعالجة ملف الأنفاق، لأن لا قيمة للبحث في كل البنود الأخرى إذا لم يتم وقف مخطط العدوان بإلحاق أكبر حجم ممكن من التدمير والتخريب في منشآت غزة والبنية التحتية، وإعادة حياة الفلسطينيين ربع قرن إلى الوراء، يوم لم يكن هناك لا نهضة عمرانية واجتماعية ولا مستلزمات البنية التحتية لواحدة من أكثر المناطق في العالم كثافة سكانية.
* * *
لا نريد أن ندخل في نقاش مع الإخوان في <حماس> حول مبررات استعجال الحركة رفض قرار مجلس الأمن رقم 1860 القاضي بوقف فوري لإطلاق النار في غزة، فأهل مكة أدرى بشعابها.
ولكن ذلك لا يعفينا من القول إن إعلان <حماس> رفض القرار قبل أن يجفّ حبره، بعدما اعتبره الإسرائيليون مجرد <حبر على ورق>، شكّل صدمة قوية لأهالي غزة الذين يتحملون من وحشية العدوان ما هو فوق طاقة البشر على التحمل، والذين سقط منهم قرابة الأربعة آلاف بين شهيد وجريح، حتى عشية صدور القرار الأممي الأخير.
قطعاً، لم يكن قرار مجلس الأمن بمستوى المطالب العربية والفلسطينية خاصة المنادية بإدانة العدوان وجرائمه الإنسانية الموصوفة، وتأكيد حق الشعب الفلسطيني في الحرية والسيادة والاستقلال وقيام دولته المستقلة، فضلاً عن غياب الضمانات الكافية لاستمرار فتح المعابر وعدم العودة إلى أساليب الحصار البغيضة من إقفال الطرق أمام الإمدادات الغذائية والطبية، فضلاً عن المواد الاستراتيجية الأخرى وفي مقدمتها المياه وفيول الكهرباء.
ولكن الإخوان في <حماس> يدركون أكثر من غيرهم، حقيقة موازين القوى على الساحة الدولية، وانعكاس هذا الواقع الدولي على آلية عمل مجلس الأمن، فضلاً عن حجم التسلط الأميركي على مقدرات المنظمة الدولية.
وعلى ضوء هذه المعطيات المعروفة جيداً من قيادة <حماس>، خاض الوفد العربي الوزاري بقيادة الأمير سعود الفيصل وعمرو موسى معركة دبلوماسية طاحنة، وشديدة التعقيد والتشابك، ليس مع واشنطن فحسب، بل ومع حليفتيها المقربتين باريس ولندن، حتى استطاعا التوصل إلى <الصيغة المقبولة> التي تم التصويت عليها بالإجماع، رغم امتناع الوزيرة الأميركية رايس عن التصويت في اللحظة الأخيرة، نتيجة الضغوط الصهيونية التي مورست على البيت الأبيض ورئيسه في اللحظات الأخيرة.
ومع ذلك، لم يكن من السهل الحصول على قرار من مجلس الأمن بوقف فوري لإطلاق النار، وتجاوز المعارضة الإسرائيلية للقرار، من دون أن تستخدم الولايات المتحدة حق النقض – الفيتو – الذي طالما عطّلت به صدور قرارات أقل لهجة ضد الطرف الاسرائيلي!.
كان يجب أن يبقى قرار وقف النار الأممي بعيداً عن صراعات المحاور العربية – العربية، وبمنأى عن الخلافات الفلسطينية – الفلسطينية بين <فتح> و <حماس>، حتى يتمكن العرب من كشف حقيقة الموقف الإسرائيلي المعارض لوقف الحرب، والمستمر في عدوانه حتى تحقيق أهدافه الهمجية.
ولكن الصراعات العربية، والخلافات الفلسطينية، وفّرت غطاءً غير مسبوق للعدو الحاقد، لأن حماس وحلفاءها العرب وإيران سارعوا إلى رفض قرار مجلس الأمن… رغم استمرار مطالبتهم بوقف العدوان… وإنهاء الحصار… وفتح المعابر، وهو ما جاء في صلب القرار نفسه!.
* * *
من حق قيادة <حماس> أن تطلب من الضمانات ما يطمئنها على استمرار دورها في المرحلة المقبلة.
ومن حق قيادة <حماس> أن تطالب بما يحفظ شرعية تمثيلها حتى مواعيد إجراء الانتخابات الجديدة.
ومن حق قيادة <حماس> أن تحرص على صون حصتها في السلطة الفلسطينية.
ولكن من حق الشعب الفلسطيني على <حماس> وعلى أي فصيل آخر، أن تكون أولوية التحرك في هذه المرحلة الحرجة هي العمل الجدي لوقف فوري لمآسي العدوان والدمار الذي تعاني منه غزة وأهلها الأشاوس.
فلتتوقف الحرب أولاً… ثم تُفتح أبواب المفاوضات أمام كل البنود الأخرى.
قد تكون من مصلحة العدو الإسرائيلي عملية الربط بين وقف النار وفتح المعابر وإنهاء الحصار والقضاء على الأنفاق، لأن الاتفاق على كل هذه البنود مجتمعة سيستغرق من الوقت ما يشكّل <مرحلة أخرى> لتمديد العدوان الحاقد على غزة.
ولكن مصلحة الطرف الفلسطيني، على اختلاف فصائله، تبقى أساساً في الوقف الفوري لهذا النزيف البشري والعمراني الذي تتعرّض له غزة والمدن الأخرى في هذا القطاع الصامد.
* * *
كفانا جلداً للذات…
كفانا الاستغراق بخلافاتنا الأنانية، واستقواء بعضنا على بعض بأساليب السلاح تارة، وبلغة التخوين تارة أخرى، في وقت ينصرف العدو للتنكيل بالشعب الفلسطيني البطل، وأطماع الآخرين حولنا تحدّق بنا من كل جانب.
ويكفي أن نلاحظ أن الدول المتهمة بالتخاذل والتواطؤ هي التي تقود عملية الإنقاذ بتصميم وعناد: بالأمس المملكة العربية السعودية خاضت عملية قرار مجلس الأمن في نيويورك، واليوم تخوض مصر عملية تنفيذه في معركة دبلوماسية صعبة تشابكت فيها المصالح الإقليمية والدولية على حساب القضية الفلسطينية، وفي مناخ الخلافات العربية – العربية المدمرة!.