في الميزان؟!
لعلّ وضع اسرائيل وحركة حماس (ومن يدعمها ) خياراتهما الإستراتيجية في الميزان ، وإعتبار نتائج الحرب الدائرة في غزة راهناً مسألة وجودية ؟ هو ما يدفع بهما الى رفض المبادرات التي تقدم آليات لتنفيذ القرار 1860 من جهة ، والسعي الى الحسم الميداني اسرائيلياً ، او الإفلات من التدمير الشامل والعودة الى ما كان (بشكل او بآخر ) من جانب حماس ومحور الممانعة الداعم لها من جهة ثانية .
– وإسرائيلياً تقدم المؤسسة العسكرية كل الضغط المطلوب الى السلطة السياسية كي تساعدها في محاولتها التوصّل الى حل دائم للنزاع في القطاع الجريح ، وهي لهذا الهدف تستخدم الإفراط في إستعمال القوة ميدانياً ، وتقدم مشهداً يومياً عن إستعدادها لتنفيذ المرحلة الثالثة ؟ وذلك عبر القضم البطيء للأرض في النقاط المهمة ، والإستمرار في ضرب المنطقة الفاصلة عند معبر رفح ، واخذ المناطق الحيوية عند الحدود وداخل مدينة غزة بما سيوصل في نهاية المرحلة الثانية الى محاصرة قادة حماس وقوّاتها والمدنيين في وسط المدينة بعد قطع سبل إتصالهم وتواصلهم مع الوحدات المتفرقة في مختلف انحاء القطاع ، وفي هذا الشق بالذات فإن تدني الخسائر العسكرية الإسرائيلية هو ما اتاح تطويل المرحلة الحالية وتأجيل المرحلة الحاسمة ، علّ القرار السياسي ينجح في الوصول الى نتائج مقبولة دون حاجة للدخول فيها ، مع ما يرتّبه هذا الدخول من " حرب شوارع " ترفع من حجم الخسائر البشرية وتطيح بالتأييد الشعبي في إسرائيل لإستمرار العملية ، بما يؤثر تالياً على نتائج الإنتخابات التشريعية القادمة وربما يؤدي الى حتمية وصول الليكود الى السلطة ؟ !
– فلسطينياً : وتحديداً على مستوى حركة حماس ، فإنها تسعى الى الوصول الى نهاية للحرب الدائرة دون حسم جذري ؟ وبالتالي الى نتائج مشابهة لحرب تموز 2006 على لبنان ؟ وهذا سيؤدي بحسب الحركة والمحور الداعم لها الى جعلها رقماً صعباً في المعادلة الفلسطينية ، والى دفع الإدارة الأميركية الجديدة الى التحاور والمقايضة مع إيران وسوريا ؟ ! وهذا يفسّر استمرار القتال رغم الخسائر الكبيرة ، والشد الذي تمارسه الدولتان على يد حليفتهما ، والهجوم على باقي العرب الساعين الى حلّ سياسي لا يأتي في مصلحة حماس ! واللافت هنا ان إنقسام الحركة وتموضع قيادييها يمنع اتخاذها قرارات حاسمة خصوصاً وان قيادة الداخل تميل الى حلّ سياسي يأتي من ما تعرفه عن الأوضاع في " جحيم القطاع " وقد كان مثيراً ان الوفد الذي يفاوض في مصر يتكوّن من قيادات في الداخل والخارج ! ربما بهدف عدم السماح بتقديم تنازلات تأتي على وقع النتائج الميدانية وتداعياتها انسانياً … وجغرافياً .
– عربياً : تسعى الدول العربية وعلى رأسها مصر ، الى تقديم آليات لتنفيذ القرار الدولي ، وهذه تلحظ ان تكون السلطة الفلسطينية طرفاً في الإشراف على المعابر (وتحديد الأماكن الجديدة لهذه المعابر ) تبعاً للتطورات العسكرية ؟ وهذا ربما هو السبب الأول والأهم في رفض حماس وتمنعها على الرغم من الضربات الشديدة التي تتلقاها ، والتي قد تصبح قاصمة اذا دخلت الحرب المرحلة الثالثة الحاسمة .
– دولياً : يبدو ان خيار استمرار المعارك 10 ايام اخرى لا يلقى معارضة دولية كبيرة ؟ والهدف كما يتهيأ للمراقبين هو الوصول الى نضوج " حلّ ما " يكون المقدمة الضرورية لإندفاع الإدارة الأميركية الجديدة الى تبنيه وفرضه على الجميع ، ومندرجاته تخضع للتطورات العسكرية في القطاع ؟ والتي قد تؤدي الى خسارة آخر ورقة ممانعة ؟ لأن بقاء حماس واحتفاظها بقواها سيجعل الوضع الراهن يجرجر مسافة كبيرة (على المدى المنظور ) مع الكثير من المساومات على مستوى ملفات المنطقة العالقة … والساخنة ، في أكثر من موضع ودولة ؟ .
ويبقى ان إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان ، وما تردد عن إطلاق النار على جنود اسرئيليين في هضبة الجولان ، يحملان معنيين متوازيين لا يلتقيان : دعوة حماس الى الإستمرار في الحرب مع تلويح بالدعم في الوقت المناسب ؟ ! والتعمية على ما ترتكبه آلة الحرب الإسرائيلية في غزة راهناً ؟ ! وهذا التلاقي هو مثار دهشة تصل الى حد الذهول وترقّب الأسوء … وتوقّعه !! .