#adsense

سيناريو النهايات

حجم الخط

سيناريو النهايات

تقول العرب إن الأمور بخواتيمها، أي أن صالحها من سيئها يحدد في ضوء ما ستنتهي إليه.
أمر غزة اليوم يخالف ذلك، ولا يدعونا الى الانتظار. فخواتيمه إثنان لا ثالث لهما: إما أن تنتصر أهداف اسرائيل، وإما أن تنهزم: تنتصر فتدخل القضية الفلسطينية في انعطافة تشبه ما أعقب تقسيم فلسطين من انكسار توج عام 1967 بهزيمة الانظمة العربية ورفع يدها عن الصراع وتغليب الهوية الفلسطينية عليه بدل مظلة هذه الأنظمة، إلى أن انهزمت فلسطينية القضية باجتياح لبنان عام 1982، فاستعادت هذه الانظمة جزءا من دور لها في تقرير مصير فلسطين تحد من فاعليته اتفاقات السلام الثنائية، من جهة، وانتقال الشعور القومي الى المرتبة الثانية في الانتماءات، أي خلف الهويات الوطنية الكيانية، من جهة أخرى.

في حال حققت اسرائيل أهدافها، سيترحّم العرب، والفلسطينيون، على اتفاقات أوسلو، وسيذكرون، بندم، حكمة الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة الذي كان دعاهم في نهاية الخمسينات من القرن السابق الى انتهاج منطق "خذ وطالب"، أي أن يقبلوا بالتقسيم ثم يسعون الى نيل حصة أكبر من أرض فلسطين. كما سيذكرون بالخير الرئيس المصري أنور السادات، ولربما سيشيدون باتفاقات كامب ديفيد وزيارته للقدس. ولربما سيأخذون على الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أنه لم يقبل باقتراح الرئيس الاميركي الاسبق بيل كلينتون لحل مشكلة السيطرة على القدس.

فإذا هزمت "حماس" لن تجد اسرائيل ما يقلق أمنها ويجعلها تسعى الى سلام مع الفلسطينيين. وقد لن ترى في السلطة الفلسطينية محاورا، خصوصا أن "حماس" لم تبق لهذه السلطة حتى ورقة توت تظلل شرعيتها، وكللت ذلك بانكار شرعية إعادة انتخاب محمود عباس على رأسها. ولا تنقص تل أبيب الحجة في ذلك. فهي سعت، وتسعى باستمرار إلى كل انقسام فلسطيني لانها تجد فيه عونا لها على مواجهة أصحاب القضية. ألم تتردد روايات كثيرة عن غض طرف اسرائيلي عند نشوء "حماس" لما انطوت عليه ولادتها من إضعاف لسلطة عرفات و"فتح"ومنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية؟

لكن ماذا لو فشلت اسرائيل في تحقيق أهدافها؟
الوقائع الميدانية وميزان القوى والمنطق التدميري الوحشي الذي ينتهجه العدو الاسرائيلي لا تشي باحتمال أن تنتصر "حماس" عسكريا. ولكن في هذا النمط من الحروب لا تنطبق المعايير المحددة للإنتصار في الحروب الكلاسيكية وهي: كسر إرادة الآخر، تدمير سلاح العدو او الخصم وإحتلال أرضه، وفرض السلم عليه وفق شروط المنتصر.

ففي الحرب العدوانية الاسرائيلية على غزة كثير مما شهدته حرب تموز في لبنان، أبرزها أن الجيش الصهيوني يواجه قوى غير نظامية منتشرة بين الناس، وهذه القوى تعتد بما لم تخسر مباشرة من سلاح ومقاتلين، لا بخسائر الحاضن الاجتماعي الذي تلقفها، وهو ما جعل "حزب الله" ينتشي بما سماه انتصارا إلهيا متناسيا مغزى تشريد مليون لبناني وتدمير عشرات آلاف المؤسسات والبنى التحتية بما قيمته 3 إلى 4 مليارات دولار، بحسب قول أمينه العام شخصيا، يوم تكفل تعويض المتضررين من دون أن يفي بذلك إلى اليوم.

بهذا المنطق ستعلن "حماس" انتصارها، ولو انتهت المفاوضات، تحت ضغط الضربات البرية والجوية إلى قرار أممي يستنسخ القرار (اللبناني) 1701، وستردد طهران التي لم تقدم سوى الصلوات وفق توجيه المرشد الايراني الأعلى ما كانت أعلنته بعد تموز اللبناني ومعها دمشق وبالتأكيد "حزب الله"، من ترانيم "النصر الإلهي" على "المشروع الأميركي في المنطقة".

لن تقف طهران عند الخطابة السياسية التي اتقنتها على حساب دماء غزة، بل ستبلور أكثر عداءها للنظام العربي متمثلا تحديدا بمصر والسعودية، على ما دأبت عليه منذ ما قبل غزة ولم يخفه أعوانها الاقليميون، وما لم يتجنبه صراحة، وإلى حد الصفاقة، رئيسها أحمدي نجاد الذي اتهم القاهرة بالتآمر على القطاع والتواطؤ مع اسرائيل.

فإيران تسعى الى أن تمدد نفوذها وتثبت وجودها في الشرق الأوسط ليس في مواجهة اسرائيل، ولو كان ذلك هو الظاهر، بل باسقاط النظام العربي الرسمي استنادا الى وصمه بالتخلي عن قضية العرب الأولى. تفضح ذلك مجريات حرب غزة حيث اقتصر الدعم الايراني لـ"حماس"على منع من أراد من الباسيج التوجه الى غزة للقتال ونصح الجميع بتقديم "الدعم المعنوي" للمقاتلين من الفلسطينيين، وفتح النار منذ معارك اليوم الأول على مصر، وحض جيشها على الانقلاب على النظام بإعتبار مصر زاوية القوة في النظام العربي الإقليمي.

هذا السيناريو بشقيه، يضع العالم العربي أمام مرحلة مصيرية تستلزم المبادرة الى استيعاب الموقف قبل حسمه لأي من الاتجاهين، والدفع الى تفعيل تبني المجتمع الدولى القرار 1860، الذي ينطوي في أهم مغازيه على انهاء زمن السلام المنفرد وفتح الطريق أمام أحد اثنين: سلام عادل وشامل، أو تقاسم النفوذ على المنطقة العربية بين اسرائيل وإيران (بمواصفات اسرائيلية) وتركيا إن وجدت الى ذلك سبيلا.

المصدر:
النهار

خبر عاجل