#dfp #adsense

العربية مجدداً

حجم الخط

"العربية" مجدداً..

مفارقة الإعلام السياسي المتلفز يا إخوان، أنه ينتعش في زمن المصائب والحروب والكوارث، أكثر من أي وقت آخر. ولأنه أحد أبرز سمات هذا العصر والوسيلة الوحيدة للتواصل البصري ـ السمعي مع الحدث وتفاصيله، فإنه في أحيان كثيرة، يصبح أداؤه في النقل هو محور المتابعة وليس الحدث في حد ذاته.

تأريخ مباشر ولحظوي يفترض متلقيه أنه سهل بسهولة تلقيه الإرسال داخل بيته، ويفترض أكثر أن الأداء البشري المرافق يجب أن يكون على مستوى الكمال التقني نفسه… هذا حقه وطموحه. لكن الخلل المركزي يكمن في توقع التماهي بين التعليق المصاحب للصورة والخبر ووجهة نظر المشاهد سياسياً وعاطفياً… مسألة صعبة وكبيرة وخطيرة، مطروحة في وجه صنّاع القرار والقيّمين على هذه المحطة أو تلك، قبل المتلقي والمشاهد.

طبعاً لكل محطة إخبارية سياسية أسلوبها وطريقتها ولغتها ومفرداتها. والخط الجامع بينها كلها هو مواكبة الحدث ونقله وإكمال الوظيفة البديهية في هذا المجال قبل أي شيء آخر. والتنافس هنا صار ضيقاً ومحصوراً رغم كثرة المحطات وتوزعها وانتشارها… كل ذلك مفهوم ومعلوم ولا جديد فيه. غير أن الملفت في خضم حرب غزة، هو العودة الى ما حصل سابقاً في خضم حرب تموز 2006، وبعدها وقبلها في الوضع اللبناني ومحطاته الدموية الكثيرة، أي العودة الى ذلك الاستسهال في الاستهداف الممنهج والفوري والمباشر لمحطة "العربية" تحديداً من قبل أفرقاء خط الممانعة عن بُعد.

تكرر الأمر مرات عدة، وبتصاعد لا تنازل، الى أن وصل بالبعض الى حد نعتها بـ"العبرية" وذلك في استطراد لتلك التهمة الأشهَرْ في التاريخ العربي الحديث التي كان أسلاف ممانعي اليوم يطلقونها على من لا يجاريهم في آرائهم وسياساتهم: يهودي ونقطة على السطر!

إفتراء كامل الدسم، مكتمل المواصفات، يطال "العربية" اليوم كما طالها بالأمس. ومطلقوه هم أنفسهم حاملو مشاعل "إنهاض الأمة من كبوتها ونقلها من خانة الهزائم الى خانة الانتصارات" دفعة واحدة من دون تقسيط… يتحدثون عن "أمة" وهمومها ومصائبها، ولا يعرفون كيفية تحمّل أو قبول محطة إخبارية (أو صحيفة) لا تتحدث مثلهم ولا تتبنى كل سياساتهم وطرق عملهم، وترفض ذلك القانون الملازم أبداً للهزيمة: إما أن تكون مثلي أو أنت عبري… يهودي!!

منطق مسحوب من السياسة على من يشتغل في السياسة، لكن كيف يمكن سحبه على محطة تلفزيونية تنقل وجهة نظرك ووجهة نظر غيرك في الوقت نفسه؟ حتى في هذه التركيبة يا إخوان الأمر مرفوض بالنسبة الى هؤلاء. والواضح تماماً بالنسبة الى "العربية" هو أنها تتعرض دائماً لهجوم لا علاقة له فقط بـ"الإعلام" بل بهويتها السياسية، ايضاً إذا صح التعبير. وفي ذلك تحديداً تستطيع هذه المحطة أن تفتخر مرتين: مرة على أدائها المهني الرائد والرفيع المستوى تقنياً وبشرياً، ومرة على "هويتها" المدموغة بالعقل لا بالغريزة، والعدل لا الافتراء، والموضوعية لا الانحياز، والهدوء لا الصراخ، والمنطق وليس الشتيمة… واحترام الآخر وليس تعليقه على صليب التخوين في كل مرة… وشكر لـ"العربية".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل