عندما يكون للبنان رئيس
لم تكن مسألة اطلاق صواريخ من جنوب لبنان بالشيء البسيط والعابر في خضمّ الغليان الذي تعيشه المنطقة منذ بدء الهجوم الإسرائيلي على غزة . والدليل على ذلك هو تبرؤ الجميع من المسؤولية عن اطلاق هذه الصواريخ، بدءا بـ"حزب الله" نفسه حامل لواء المقاومة ضدّ اسرائيل. وبعيدا" عن انعكاسات مسألة توريط الجبهة اللبنانية في الصراع القائم حاليا" مع اسرائيل على مجمل الوضع في الشرق الأوسط، فإنّ الوضع اللبناني الداخلي ولا سيما الجنوبي، وعلى كل الأصعدة النفسية والإقتصادية والمعنوية والإنسانية وغيرها، لا يستطيع تحمّل تبعات انهيار الوضع جنوبا" وتكرار تجربة تموز 2006.
وفي هذا الإطار كان موقف كل القيادات اللبنانية ولاسيما الموقف الصادر عن مجلس الوزراء واضحا في عدم القبول بجرّ لبنان الى حيث لا يريد أبناؤه، والتأكيد على الإلتزام بالقرار 1701 بكامل بنوده. أمّا ما لفت الأنظار حقيقة فهو الموقف المتقدم والواضح والجريء لرئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال سليمان عندما أعلن وبكل وضوح أنّ لبنان لن يكون منصة لإطلاق الصواريخ وهو ليس صندوق بريد لبعث الرسائل، وأن القرار هو للدولة اللبنانية مجتمعة وهو لن يقبل بتوريط لبنان شعبا وحكومة ومقاومة، كما ليس لأي طرف خارجي أن يملي علينا ما يجب فعله.
هذا الموقف الحازم لرئيس الجمهورية اللبنانية يساهم فعلا لا قولا فقط بتوحيد الموقف اللبناني حيال ما يجري في المنطقة، وهو يضع حقيقة أسس الاستراتيجية الدفاعية المطروحة للنقاش أمام الأفرقاء على طاولة الحوار.
لقد أعاد الرئيس ميشال سليمان لرئاسة الجمهورية اللبنانية هيبتها المفقودة ودورها المحوري والطليعي والريادي الذي اشتاق اليه اللبنانيون والذي كان قد غيّبه عهد الوصاية الذي استبدّ بلبنان طوال الأعوام الماضية. لقد أظهر مسار الرئيس سليمان رغم الفترة الرئاسية القصيرة التي مارس فيها مسؤولياته حتى اليوم أنّه لا يزال لرئيس الجمهورية الدور الأساسي والفعّال في التركيبة اللبنانية، وخصوصا حين يتولى المسؤولية من يحسن تأدية موجباتها. وهذا الدور هو أهمّ وأكبر بكثير من موضوع تعيين موظف هنا أو موظف هناك، أو تأمين مصالح فئة على حساب مصالح فئة أخرى . لقد أعاد الرئيس سليمان لبنان وبسرعة الى الخارطة العالمية في زياراته المكثفة الى الخارج، كما استطاع ادارة الخلاف الداخلي وتدوير الزوايا حتى اليوم، وهو بالتالي يحظى باحترام الجميع في الداخل والخارج.
إنما هذا الكلام لا يكفي لكي ننام على حرير. فرئيس الجمهورية، وكي يستطيع أن يواصل ممارسة دوره الجامع والحازم في الوقت نفسه، ولكي يبقى صمّام أمان في الأزمات الكبرى،هو بحاجة لالتفاف اللبنانيين الدائم، وبكلّ فئاتهم، حوله وحول المؤسسات الرسمية السياسية والعسكرية والأمنية التي هو مؤتمن بموجب الدستور على رعايتها.