المعطيات تبقي الأنظار شاخصة إلى المبادرة المصرية
قمّة في الدوحة قبل 48 ساعة من قمّة في الكويت؟
اذا نجحت قطر في تأمين انعقاد قمة عربية طارئة دعت اليها بعد غد الجمعة في الدوحة، فانها تكون قد تمكنت مرة جديدة من تكريس دور متميز لها على المستوى القيادي العربي، وان بدا هذا الدور في بعض الحالات، من نتائج الخلاف السوري – السعودي – المصري. وقطر كما هو معروف اقرب، بل في حال انحياز الى الجانب السوري وكذلك الايراني على المستوى الاقليمي، ومع ذلك فإن نجاحها في تأمين انعقاد القمة، يكرس لها دورا عربيا وسطيا بين المحاور والانقسامات التي لا تزال تشكل احد ابرز الاسباب التي تحول دون انعقاد قمة عربية طارئة لمناقشة تداعيات الحرب الاسرائيلية على غزة وسبل وقفها.
وهذا الواقع السياسي العربي – وأقل ما يقال فيه انه مأسوي وكارثي – سيزداد تراجعا اذا تعثر، مرة جديدة، انعقاد قمة عربية طارئة، وهو ليس مضمونا حتى الآن، وخصوصا بعد اعلان مصر رسميا رفضها دعوة قطر لسبب يبدو مبررا في حال اتفاق الملوك والرؤساء العرب على لقاء عشية القمة الاقتصادية التي سيشاركون فيها الاحد المقبل في الكويت (بعد اقل من 48 ساعة على موعد قمة قطر اذا عقدت)، علما ان اجتماعا عربيا على مستوى وزراء الخارجية سيعقد الجمعة في الكويت تحضيرا لقمة الكويت الاقتصادية، ولا مانع على الاطلاق من ان تكون سياسية بامتياز، والوضع المأسوي في غزة سيكون في صدارة مناقشاتها. وهكذا يبدو الملوك والرؤساء العرب امام احد خيارين: اما الكويت واما الدوحة، والعاصمتان تمثلان موقعا وسطيا بين "المحاور" في حين أن هناك عواصم عربية تتعرض للمقاطعة من عواصم اخرى اذا دعت الى قمة عربية، كدمشق والقاهرة والرياض، نتيجة المحاور والانقسامات. فهل تصبح الدوحة بموقعها الراهن الاقرب الى المحور السوري – الايراني الداعم لـ"حماس" احد هذه المحاور ولاسيما اذا اخفقت في تأمين انعقاد القمة الطارئة التي دعت اليها في غياب اكيد لمصر واحتمال غياب المملكة العربية السعودية؟
واذا كانت القمة العربية غير متيسّرة الانعقاد حتى الآن، وكان يجب ان تعقد فور بدء الحرب الاسرائيلية الوحشية على غزة، فعلى الاقل يجب ان تعقد قمة مصغرة، ولكن ما العمل واركان هذه "القمة" تاريخيا في حال تشرذم وخلاف؟ وكثيرون ممن واكبوا القمم العربية يتذكرون عبارة شهيرة كانت تتردد في الاروقة والقاعات عندما تغادرها السعودية ومصر، وهي "انتهت القمة"، او "هنا تعقد القمة الحقيقية"، في حال عقد اجتماع ثلاثي سعودي – مصري – سوري. ولم تكن تلك العبارة لتزعج سائر العواصم العربية ولاسيما الخليجية منها، فكلها كانت، ومعظمها لا يزال، يلتزم الموقف السعودي ويتناغم معه.
واذا قدّر للقمة الطارئة ان تعقد في الدوحة، وان في غياب مصري مؤكد وغياب سعودي مرجح، فان المشهد سيكون مشابها الى حد ما لاجتماعات الدوحة التي عقدت من اجل لبنان بعد حوادث السابع من ايار المأسوية في بيروت والتي انبثق منها اتفاق الدوحة، بعد تعثر مساع سعودية ومصرية، وعرقلتها، لاسباب تتصل ايضا وايضا بسياسات المحاور والخلافات…
وسط هذه الاجواء يستمر الوضع المأسوي والكارثي على حاله في قطاع غزة نتيجة استمرار الحرب الاسرائيلية التي لا يبدو حتى الساعة انها شارفت نهايتها، وهذا ما اكدته وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني امس، اذ قالت لدى تفقدها منطقة "سديروت": "ما زلنا في العملية (العسكرية) وهي متواصلة، وهذه حرب طويلة، فهي ضد الارهاب ولا يتم ابرام اتفاقات مع الارهاب، وانما تجري محاربته" في اشارة الى حركة "حماس"، والكل يعرف ان اي مشروع اتفاق يلحظ دورا لـ"حماس" او حتى ذكرها بالاسم، سيعدّ هزيمة لحكومة الحرب الثلاثية الاسرائيلية التي تضم الى ليفني، رئيس الحكومة ايهود اولمرت ووزير الدفاع ايهود باراك الذي يخوض الانتخابات القريبة (الشهر المقبل) على حساب دماء الاطفال في غزة.
ويبدو وفق المعطيات المتوافرة حتى الآن ان لا رهان سياسيا الا على المبادرة المصرية المدعومة دوليا وعربيا بنسبة عالية. فهل يقدّر لهذه المبادرة ان توقف مسلسل المجازر والقتل الاسرائيلية في غزة؟ واذا نجحت المبادرة وتم التوصل الى وقف للحرب، فعلى اي اساس؟ هل ستكون بمثابة هدنة على خلفية تكرار الحكومة الثلاثية الاسرائيلية اصرارها على المضي قدما في مخططها الرامي الى القضاء على حركة "حماس" وتدميرها، وهذا ما لم تتراجع عنه حتى الآن؟
واما في حال انقلاب الصورة، فحديث آخر، اذ سيصبح شبه مؤكد ان ثمة تغييرات كثيرة ستطرأ على المشهد الاقليمي.
واخيرا، على الصعيد اللبناني الداخلي، فإن من المؤشرات الايجابية ان تتقاطع مواقف الاطراف السياسيين على الرغم من اختلافهم في الرؤية الى "حسابات" حركة "حماس" و"امتداداتها" الايرانية – السورية، فانهم تقاطعوا عند نقطتين اساسيتين هما: اولوية وقف الحرب الاسرائيلية ووقف الجرائم الجماعية في حق الاطفال والمدنيين. وضرورة تجنيب البلاد، ما امكن، اي "خطوة ناقصة" تعطي حجة او ذريعة اضافية لاي اعتداء اسرائيلي محتمل على لبنان وآثار حرب تموز 2006 لم تمح بعد من ذاكرة اللبنانيين والجنوبيين خصوصاً.