#adsense

أكثر من قرار لوقف النار.. إنه مشروع سلمي

حجم الخط

لا يتضمن آلية عملية مثله مثل القرارين 242 و338 لكنه يحدد إطاراً سياسياً.. ولموقف "حماس" منه حسابات
أكثر من قرار لوقف النار.. إنه مشروع سلمي

حقيقة الأمر أن القرار الدولي 1860 الصادر عن مجلس الأمن الأسبوع الماضي، لم يأخذ حقه من الأهمية.. والاهتمام. ذلك أن مقاربة شبه وحيدة له إنطلقت فقط من كونه لا يتضمن "آلية عملية" لوقف فوري ودائم لإطلاق النار في قطاع غزة.
والحال أن القرار 1860 يتضمن عدداً من النقاط المهمة جداً التي تشكل إطاراً سياسياً لآلية ضمان الوقف الدائم للنار في القطاع.

يؤكد وحدة الدولة الفلسطينية

يؤكد القرار أن قطاع غزة يشكل جزءاً لا يتجزأ من الأراضي التي احتلت عام 1967 وأنه سيكون جزءاً من الدولة الفلسطينية. إذاً، إذ يرفض تقسيم الأرض الفلسطينية وإلحاقها بدول مجاورة، يكرس القرار 1860 "الوحدة الجغرافية" للدولة الفلسطينية العتيدة. وأكثر من ذلك، فهو يعيد التشديد على أن المجتمع الدولي يتبنى في مقاربته للسلام في الشرق الأوسط "رؤية الدولتين" أو "حلّ الدولتين" أي الحل المستند الى إستقلال الشعب الفلسطيني في دولة تقوم على الأراضي المحتلة عام 1967.
وبهذا المعنى، إذ يعطف على القرار 1850 الصادر في 16 كانون الاول 2008 المستند هو نفسه الى المبادرة العربية للسلام، فإنه يتبنى الموقف العربي وفي أساسه المطلب الوطني الفلسطيني بقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس.
وينبغي الإعتراف بأن القرار 1860 لا يُقحم نفسه في أي توجه إلغائي لأي من القوى الفلسطينية، إذ يعلن أنه "يشجع على إتخاذ خطوات ملموسة نحو تحقيق المصالحة بين الفلسطينيين". وهذا لا يعني فقط أن المجتمع الدولي يعترف بتعددية الساحة الفلسطينية، بل يعني حرصه على وحدة السلطة الفلسطينية.. بل وحدة الدولة الفلسطينية حتى قبل قيامها في الواقع الملموس.

..ويرسم الإطار السياسي لـ"الآلية العملية"

من هنا، ووفقاً لكل الأبعاد المشار إليها آنفاً، يصحّ إعتبار القرار 1860 "أكثر" من قرار دولي لوقف إطلاق النار. فهو يحدد الأهداف السياسية لوقف النار وما بعده، ويرسم الإطار السياسي للآلية العملية المباشرة، وفي القلب من هذا الإطار السياسي وحدة "الأداة" الفلسطينية أي وحدة "المفاوض" الفلسطيني. ووحدة "المفاوض" الفلسطيني هنا لا تعني "وحدانيته"، لأن مكان "حماس" هو "داخل" المفاوض الفلسطيني. وعلى كل حال، لو كان القرار 1860 نافياً لـ"حماس" أو لاغياً لها، لكان سهلاً عليه أن يتضمن آلية عملية، من مثل إنشاء قوة دولية أو فريق من المراقبين الدوليين، لكن لأنه ليس كذلك، ولا يتطلع الى فرض آلية محددة، فهو قرارٌ يحثّ على "إستيعاب" الفلسطينيين لأنفسهم بأنفسهم، وبمساعدة عربية إن تعذّرت المبادرة الفلسطينية "الذاتية" الى ذلك.

1860 معطوف على 242 و338

وفي "المناسبة"، ليس القرار 1860 فريداً لجهة عدم تضمنه "آلية عملية".
القرار 242 الصادر في 22 تشرين الثاني 1967 بعد خمسة أشهر من "هزيمة حزيران"، حدّد الإطار السياسي لوقف دائم لإطلاق النار أي عيّن المبادئ السياسية "الحاكمة" لوقف النار والأعمال الحربية، بالإستناد الى ميثاق الأمم المتحدة.
والقرار 338 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في 22 تشرين الأول 1973 بعد "حرب تشرين"، لم يتضمن آلية عملية، بل حدد ـ معطوفاً على القرار 242 ـ الإطار السياسي أيضاً. أما الآلية العملية فتم التوصل إليها في وقت لاحق بعد مفاوضات عُرفت آنذاك بـ"مفاوضات الكيلو 101" على الجبهة المصرية، وبعد مفاوضات عُرفت بـ"مفاوضات فكّ الإشتباك" على الجبهة السورية. والآلية العملية إقتصرت على وقف النار وفكّ الإشتباك، أي أنها لم تتعلق بالإنسحاب الإسرائيلي من الأراضي المصرية والسورية المحتلة. الأمر الذي لم يحصل إلا بعد سنوات بالنسبة الى مصر، والذي لم يحصل حتى الآن بالنسبة الى سوريا.

..أي "رزمة مرجعيات" للعملية السلمية

بطبيعة الحال، لا تهدفُ المقارنة الآنفة بين القرار 1860 من جهة والقرارين 242 و338 من جهة ثانية، الى القول إن تنفيذ الـ1860 مُرحَّل الى أجل غير مسمى كما كان حال القرارين الآخرين. إن المقارنة تهدف الى تأكيد انه كما صار القراران 242 و338 مرجعيتين للعملية السلمية الإقليمية منذ مؤتمر مدريد، ومرجعيتين لمشروع السلام العربي منذ 1982، فإن القرار 1860 مرجعية ثالثة مضافة الى المرجعيتين الأخريين. وذلك "خصوصاً" ان "النظام العربي ما" كان يوماً "نظامين" منذ أكثر من ثلاثة عقود بشأن الموقف من القرارين 242 و338… بصرف النظر عن أكذوبات "الممانعة" من هنا أو هناك.
الـ1860 "أكثر" من قرار لوقف النار. إنه مع الـ242 و338 و1850 "رزمة مرجعيات" لمشروع سلام اقليمي يزكي المبادرة العربية.

"حماس": موقف يحاول نسف معادلة عتيقة

وفي هذا السياق، إن قدراً عالياً من "الصراحة" ضروري ومطلوب.
في الموقف من القرار 1860 غداة صدوره، أعلنت "حماس" انها "غير معنية" به. وقال بعض المتحدثين بإسمها وتبرّع بعض المحللين لموقفها بالقول انها "غير معنية" لأنها لم تُستشر بشأنه.
لا يمكن ان يكون هذا الشرح مقنعاً. فحركة "حماس" لم تتخذ هذا الموقف لا لأن الـ1860 لا يتضمن آلية عملية بعرف الجميع أنه يمكن التفاوض عليها مع مصر وعبر المبادرة المصرية، ولا لأنها لم تُستشر على إعتبار ان "معالجة" واقعة عدم الاستشارة لو كانت حاصلة بالفعل لا ترتب نفض اليد من قرار دولي إذا كان جيداً. ولذلك فإن اعتبار "حماس" نفسها "غير معنية" ينحكم بمسألتين "على الأرجح". الأولى هي ان "حماس" تخوض على ما يبدو في ظل الحرب معركة تكريس نتائج "حركة" حزيران 2007 أي إنتزاع إعتراف بتلك النتائج وإسقاط شرعية السلطة الفلسطينية وشرعية "المفاوض" الفلسطيني. والثاني هي ان ثمة إفتراضاً لدى "حماس" على ما يبدو ـ أيضاً ـ بأن "الظرف" متاح لنسف معادلة عربية قائمة منذ عقود يتأسس عليها "نظام عربي" يحمل "مشروع سلام" ولا يحمل "مشروع مواجهة"، ويرى ـ "النظام العربي" ـ ان ثمة معادلات وتوازنات تتيحه اليوم أكثر من أي وقت مضى.

إستدراك هنيّة

على أن متابعين عديدين لاحظوا ان "حماس" وبعد رد فعلها الأولي حيال الـ1860، "جنحت" بإتجاه "معتدل" على لسان القيادي فيها اسماعيل هنية مساء أول من أمس، وقد تجنب إنتقاد القرار الدولي، وشدد على المسار السياسي ـ الديبلوماسي، معلناً ضرورة التعاطي الإيجابي مع "أي" مبادرة لوقف العدوان الإسرائيلي على غزة.
بإختصار، إن القرار 1860 بحاجة الى "إنصاف" عبر إعتباره مرجعية لمشروع سلام. والجدل الناشب في إسرائيل حوله وحول كيفية "مروره" في مجلس الأمن… ومن دون فيتو أميركي، عامل إضافي من أجل "إنصافه" فعلاً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل