#adsense

الرحابنة

حجم الخط

الرحابنة

كنت في بداية تفتحي على الدنيا يا إخوان، عندما بدأت "أعي" قصة الرحابنة في لبنان. فأنا من جيل ربما يكون أكثر حظاً من جيل اليوم، لأنه كان أكثر معاصرة لذلك الانتاج الفني المستحيل والغريب والأخّاذ. وهو ما لم يؤخذ بكليته لاحقاً، أي مع الجيل الراهن المهجوس بآخر نتاجات تكنولوجيا الصوت والصورة، والفحش والزعيق المسمى مجازاً، في حالات كثيرة، غناء وإنتاجاً فنياً!

كانت أياماً حلوة. وغمرت محطة في عمري وأعمار أمثالي من أبناء ذلك الجيل، وطبعت خيالنا وسلّحته لسنوات طويلة آتية. بل يمكن الادعاء وبقليل من المبالغة، أن الصوت الذي كان يرنّ في تلك الأمسيات الآسرة كان حاداً وليزرياً الى درجة بقائه في شرايين القلب مدداً طويلة طويلة، حتى كاد الأمر يشبه الإدمان بكل ما في الكلمة من معان طبية مباشرة، بعيدة من المجاز والشعر ومرادفات الحنين من أولها الى آخرها.

كانت فيروز، هي الأداة المثلى لتوزيع إنتاج الرحابنة وتعميمه وتسويقه ورميه في فضاءات الروح والخيال الجامح وليالي صيف لبنان والعرب. وكانت أعمارنا الشقية تتسلى بترتيب حجارة نموها، وتعزيز ملكات الذوق لديها، من خلال حفظ ما تغنيه تلك السيدة وما يَرِد على لسانها وألسنة مرافقيها في المسرح الرحباني الرائد، والذي لم يكن له مثيل آنذاك ولم يأت له مثيل لاحقاً (ولن يأتي) في كل البلاد الراطنة بلغة الضاد وما تحويه من آفاق ابتكار، ورحابة تشبه رحابة الصحراء التي أتت منها.

لم يكن التلفزيون طاغياً في تلك الأيام الذهبية، كما هو اليوم. وفي ذلك، كما صرنا نعرف راهناً، نعمة مباركة وإن كانت غير مكتملة، بحيث إن السمع للموسيقى، كالبصر للوحة الرسم… واستطراداً من هنا فإن شؤون الدنيا بمجملها كانت تسير على وتيرة أهدأ وأبطأ مما هي اليوم، وكان الإنتاج الفني جزءاً من ذلك المناخ. كان أعمق تأثيراً، وأكثر جمالاً وأنصع في أصالته مما هو اليوم… بل أن الأمر الفني برمته، لا يمكن أن يُقارن بحالته الراهنة. في ذلك عسف واضطهاد لا يستقيمان مع الأحكام العادلة المتروكة للتاريخ.

كثيرون مثلي، بنَوْا أوطانهم على قياس الرحابنة. وبنوا هوسهم الروحي والعاطفي على قياس البراءة المغلّفة لكل شخصيات الانتاج الفني لتلك العائلة الاستثنائية… حتى لصوص القرى كانوا "مهضومين" تبعاً لذلك العرف. وكانت العشيقة مصدر خيال لا تعوزه الحشمة والأخلاق الحميدة، وكان الوطن دائماً أرزاً خالداً وأغنية آسرة، قبل أن يصير حطباً للتدفئة وأناشيد للموت. كان الرحابنة بهذا المعنى البسيط والمباشر جواز سفر الى تخيّل الحياة بأحلى ما فيها، ودفعاً للرغبة بأن نكبر في أعمارنا كي نصير مثل أبطال مسرحياتهم… كانت الدنيا مفتوحة على العيش وليس كما صارت لاحقاً، تدريباً يومياً على الموت وانتظاره.

راح كبيرهم في أحلك أيام "وطنه" المنكسر… وتبعه توأمه بالأمس، ليكتمل بذلك فصلٌ آخر من فصول مسرحية طافحة بالحزن والموت "المشعشع" هذه الأيام، في كل شيء أحبه الرحابنة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل