قمة بلا قمة
… القمم العربية تعبير واضح عن وحدة العرب، وهم شركاء في التاريخ والجغرافيا، وهي لم تكن إلا لالتقاء العرب على موقف واحد من قضاياهم، وهذه من أكبر الايجابيات الناتجة عن وجود جامعة الدول العربية.
ولكن في الوقت عينه، أن تعقد قمة عربية يحضرها معظم الدول العربية، ولكن من دون مصر أو المملكة العربية السعودية، فهي لن تنتج شيئاً، على اعتبار ان مركزي الثقل العربي ليسا موجودين فيها، وهذا يؤدي الى فشل ذريع للغاية.
وفي هذا المعنى تذكرني الدعوة الى قمة في الدوحة، قبل ثلاثة أيام فقط من القمة العربية الاقتصادية في الكويت، بالقمم التي كانت تعقد في الماضي، بعد خروج مصر من الجامعة العربية عقب توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، في ليبيا والجزائر وفي العراق، وكانت شعاراتها قمة الصمود والتصدي، وكانت نتائج هذه القمم من دون أي جدوى، وأدت في نهاية الامر الى شق الصف وإضعاف العرب، بل نستطيع القول، إنه نتيجة لذلك عصفت بالامة أزمات خانقة لم تجد لها حلاً على الاطلاق.
من حيث المبدأ لا يمكن لأي عربي أن يكون ضد أي اجتماع عربي، ولكن في الوقت عينه يجب أن يكون مثل هذا اللقاء وعلى أي مستوى كان قائماً على أسس تحفظ وحدة الصف العربي، ما يعيد الى ذاكرتنا الراحل الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله، يوم رفع شعار التضامن العربي، وثبت دائماً ان ترجمة ذلك هو قوة للعرب، وأحد أهم الاساليب لحل مشاكلهم بروح من التوافق، ومن أجل نجاح أي قمة يجب أن يكون كل القادة العرب مشاركين في أعمالها، وعلى رأسهم رئيس مصر وعاهل المملكة العربية السعودية، واما اذا كان المطلوب عقد قمة لاستغلال منبرها لمخاطبة الجماهير وتحريضهم بالمزايدات الرخيصة والشعارات العاطفية الفارغة فهذا يعني فشلها، ووضع إضافات تراكمية على شق الصف العربي، والأهم هو، ماذا لو انعقدت القمة ولم يصدر عنها سوى ما يشبه رسالة تمنيات أو تهديدات غير قابلة للتنفيذ؟!
يدفعنا ذلك الى السؤال: كيف تعقد القمة التي دعت إليها قطر، وهي مخصصة للحرب العدوانية ضد غزة وأهلها، من دون حضور مصر، وهي المعنية الأساسية بما يجري، على اعتبار ان غزة تشكل بالنسبة إليها بُعداً على صعيد أمنها القومي، وقد قدمت مصر وعلى مدى ستين عاماً تضحيات جساماً في سبيل ذلك.
… من الجدير هنا الاشارة الى ان دولة صغيرة، ولها ارتباطات سياسية واقتصادية مع اسرائيل، هي التي تقف وراء الدعوة الى قمة ستضاعف حتماً من حجم الفراق بين الدول العربية، وسيظهر عندئذٍ للعالم ان العرب غير متفقين، إضافة الى ان هذه الدولة انشأت قناة "الجزيرة" الفضائية ورسمت لها دوراً يقوم على زرع الفرقة بين الدول العربية، ومنبرها يدأب دوماً على شتم الدول العربية الأساسية، بما يعني أن إنشاء مثل هذه المحطة له أهداف ملتبسة لم تعد خافية على أحد.
.. المسألة هنا أن هناك أهدافاً غير حميدة وراء الدعوة الى القمة، ربما يراد من ذلك القول إنه اذا كانت اسرائيل لم تكترث بالقرار 1860 الصادر عن مجلس الامن الدولي، فهي أيضاً لن تأبه لقرار صادر عن الجامعة العربية أو القمة العربية، وعلى كل حال، فما تريّث مصر بالموافقة على قمة عربية إلا لانها تدرك تماماً ان الاسرائيليين لن ينصاعوا، بل سيستمرون في عدوانهم الإجرامي، لذلك فضلت العمل الديبلوماسي وبهدوء لإنقاذ غزة وأهلها، ووضع حد لهذا العدوان.
وأيضاً، فإن المملكة العربية السعودية – التي تمثل حقيقة موقع القرار العربي، وهي لم تتوان يوماً عن دعم القضايا العربية، ولها تقديمات كبرى في هذا المجال – تحمل هموم العرب، وتجهد اليوم لإنقاذ غزة وأهلها، وهي أساساً كانت تدرك تماماً انه لا بد من العمل لإنقاذ الشعب الفلسطيني وتهيئة كل الظروف لاقامة دولته المستقلة على أرضه، وهي من أجل ذلك اطلقت مشروعها للسلام، بما عُرف بمبادرة الملك عبدالله، والتي كُرست بعد قمة بيروت باسم المبادرة العربية للسلام.