#dfp #adsense

التراجيديا العربيّة

حجم الخط

التراجيديا العربيّة…

في عزٍّ انفجار الثورة الثقافيَّة في الصين، زار وفد فلسطيني برئاسة ياسر عرفات بكين، قاصداً الرفيق الأول ماو تسي تونغ لعلَّه يساعد "ثورة شارع الحمراء" في استرداد الحقوق الفلسطينيَّة المغتصبة.
وكان الوفد مطعّماً ببعض "الرفاق" في "الحركة الوطنية" والحزب الشيوعي وتنظيمات الأحياء والزواريب، اعتقاداً من عرفات ان حجم الوفد يجب أن يكون متناسباً مع حجم الصين.

أول سؤال طرحه الرفيق ماو على الوفد الذي وصل آخره حتى باب مكتب الزعيم الصيني:
ما هو عدد الاسرائيليين، جنوداً ومدنيّين؟
فردَّ عرفات فوراً: في حدود أربعة ملايين ونصف مليون. لكنهم في الحروب كلّهم جنود احتياط…
صمت ماو تسي تونغ لحظات أثارت القلق في نفوس أعضاء الوفد"، ثم لم يلبث أن ضحك تلك الضحكة الثانية المميزة والمحيّرة، قبل أن يسأل "الختيار" ذلك السؤال المحرج: وما هو عدد العرب المحيطين باسرائيل من الجهات الأربع؟
فقال عرفات باعتزاز وثقة: في حدود المئتي مليون.

عندها تخلَّى ماو عن الضحك والابتسام، وأحلَّ التجهم محلَّ الحبور، ليقول لأبي عمار بنبرة لا تخلو من التأنيب: وماذا تنتظرون لتقتحموا اسرائيل سيراً على الأقدام؟
فسكت الأخ عرفات عن الجواب، مستنجداً ببعض الحكواتية المهضومين الذين اعتاد أن يلجأ الى قفشاتهم المحببة في المواقف الحرجة.
لكن ماو أكمل، وبنبرة قائد مسيرة الألف ميل: الذين يطالبون بحقوقهم وحقوق أوطانهم لا يخافون الموت. فاذا كان المئتا مليون عربي مؤمنين بالقضية الفلسطينيَّة، فلا بدَّ أن يصل منهم عدد الى اسرائيل يكفي ان يستعمل يديه ورجليه في وجه الدبابات والطائرات…

طار الزمان، وطارت الثورة الثقافية وقائد مسيرة الالف ميل، مثلما طارت الثورة الفلسطينية و"الحركة الوطنية" و"ثورة شارع الحمراء"، وطوى الموت مسيرة ياسر عرفات، ولا تزال القضية برمتها في أرضها، وعند السؤال الذي طرحه ماو تسي تونغ.
رغم الحروب، والثورات، والنكبات، والنكسات، والانتفاضات، لا تزال المعالجات الفلسطينية والعربيَّة هي ذاتها.

اسرائيل تقصف، وتجتاح، وتقتل.
والعرب يخطبون، ويهتفون ويتظاهرون في شوارع عواصمهم. وضد حكامهم، وبعضهم ضد البعض، ونكاية بهذا الرئيس العربي، أو تلك الحكومة.
من غير أن يفكر ثوار آخر زمان وثوّار المناصب والكراسي، في ما قاله رجل من الصين غيَّر وجه التاريخ قبل نصف قرن، وقبل ان تكتمل التراجيديا العربيَّة فصولاً:

إما حروب فاشلة، وإما تحميل أميركا وبعض العواصم الاوروبيَّة والعربيَّة مسؤولية الفشل المريع، والمغامرات المتسرٍّعة، المطلوبة أحياناً من هذه العاصمة أو ذاك الحاكم، التي تمكّن اسرائيل دائماً من تحويل المدن أطلالاً، وتحويل الاطفال والشيوخ شهداء…

المصدر:
النهار

خبر عاجل