#adsense

منصور الرحباني: سقوط الأعمدة

حجم الخط

منصور الرحباني: سقوط الأعمدة

في موسم الموت العادي يتسلل منصور الرحباني من بيننا، لكن واحداً في وزن الرحباني لا يمكن ان يمر غير ملحوظ. مهما تنكر لبنان الحالي لتأسيسه ومهما بدا هذا التأسيس بعيدا فان الفوضى الراهنة لا تمنعنا من ان نرى فيه نموذجنا الأول. انطفأ منصور الرحباني لذلك، وفي أي ظرف كان، هزّة في تاريخنا. لا أقول في فننا فحسب، فإن أعمال الأخوين رحباني لم تدخل في باب الفن وحده بل هي جزء من الحلم اللبناني والحضور اللبناني وإذا زدنا قلنا إنها جزء من الجمهورية ومن الحداثة والدور اللبناني العربي والعالمي. كان منصور أحد اثنين اجتمعا في اسم »الأخوين رحباني« وبموته تكون واحدة من اكبر عماراتنا الفنية والثقافية قد باتت نهائيا في التاريخ. ظل لبنان وعداً في أعمال الرحبانيين، وهذا الوعد بشَّر العرب جميعا بحياة موازية وبيوم جديد، خلق الاثنان عالمهما الخاص وبات هذا العالم بسرعة دعوة الى المستقبل. لم يندمج الشعر بالموسيقى بالمسرح مصادفة فالرؤيا الرحبانية لم تكن لتنحصر في غرض او مجال. الرؤيا الرحبانية كانت حلم مدينة ثانية وما صنعه الرحبانيان كان جمهورية للفن.

كان فناً كاملاً بكل المعاني. الغريب أن العصاميين الآتيين من فرقة موسيقية للبوليس نجحا في كل شيء. كانا عبقريين بدون شك، لكن عبقريتهما كانت أيضاً في قدرة هائلة على الاستيعاب، في الحس الغريب باللحظة، بالقدرة على مطابقة شبه إعجازية للظرف، في خلق فن يرفع الاحتجاج العام الى ما فوق التلاوين الخاصة، ويخلق للجميع، على اختلافهم وفئاتهم، حلماً مشتركاً. الرحبانيان مع فيروز بالطبع، التي كانت »بيغمالونهما« البديع، صنعا ما يمكن ان يكون فتحاً في الموسيقى والشعر الغنائي والغناء والمسرح. كان هناك تلك المخيلة الهائلة والحدس النفاذ اللذان اجترحا في سرعة قياسية ما كفى عصراً كاملا. إذ يمكننا ان نقول بمجاز وبدون مجاز إننا عشنا في عصر الرحبانيين. إن الاثنين قدما للبنانيين والعرب ما يكفيهم، الكلمة والنغم والفرجة فلم يتركوا لهم الا الخروج من النص الرحباني الى النغم الرحباني الى الصوت الرحباني الى الفرجة الرحبانية. كان في الامكان إذن العيش كلياً في الخيال الرحباني والرؤيا الرحبانية، بل كان فن الرحبانيين ينفذ الى الواقع والحياة اليومية فيدخل في الذوق والآداب والسلوك. كثيرون أحبوا بكلمات الرحبانيين وفكروا بدعاوى الرحبانيين وسهروا وسمروا ولبسوا وتكلموا على الطريقة الرحبانية، لقد صنعوا حلماً، لفرط ما تجسد وتواتر كاد يغدو حقيقة ولفرط ما صارع الواقع كاد ان يبدو بديله. لقد حسبنا احياناً أنه حلم رائد وأنه دليلنا الى المستقبل. لكن تهاويم امتزجت بالعالم الحقيقي لم تلبث ان اختفت بصعقة بدا منها أننا نحلم في العراء، وأننا لا نملك حتى واقعا. هكذا غدا الحلم الرحباني واحداً من طوباوياتنا. وربما لذلك هجرناه في لحظة بدا فيها اننا لا نملك إلا الركام. ربما تراءى لنا في لحظة انه خُلّب وانه خديعة وانه مكر الحياة بنا او اشفاقنا على انفسنا، ربما نقمنا على الرحبانيين وفيروز معهما أنهم زينوا لنا الحياة والحب والطبيعة والفصول والأوقات. لعل الرحباني الباقي بعد رحيل الأول تحمل منا هذا المزاج. لعله هو الآخر وجد نفسه، حيث لا يمكن القبض على اللحظة وحيث المطابقة مستحيلة، وحيث يبطل سحر الفن على الواقع. لعل الرحباني الباقي اضطر الى ان يكمل، حيث يمكن الواقع بالفن، وحيث يعريه من سلطانه وصولته، كان علينا أن نرى كيف يغدو السحر هو سحر الحدث، وكيف يتأخر الفن عنه وربما يتأخر الواقع وتتأخر الحياة. لكنها كانت أيضاً لحظة نسيان الأسس بقدر ما كانت لحظة كره الذاكرة. لقد جرحنا الكثيرين بذلك، لكننا كنا في الحقيقة نهين أنفسنا ونؤكد عدم استحقاقنا. اما الذي احتجنا الى وقت لتبنيه فهو اننا لم نملك، ولم نقدر على أن نملك، حلماً آخر وأسساً أخرى، لم تنته رحلتنا الى البحث عن سواها الا الى خراب. كان أمامنا هذا الحلم الذي خسر الكثير من مطابقته، لكننا عدنا إليه، كانت أمامنا هذه الأسس المشكوك في بنيانها، لكنها كانت الأسس. لقد غبنا فترة عن هذا التاريخ، لكن انطفاء منصور يعيدنا اليه. لا بد أننا سمعنا، رغم كل الظرف، حجر أساس يسقط او عموداً ينهار، لا بد أننا شعرنا في هذه اللحظة بأن صدعاً يحصل. لقد سمعنا تاريخاً يتحرك وهو لا يحرك الا بمزيد من الحجارة الساقطة والصدوع. شعرنا بجرح في الحداثة، تخايل للجمهورية، وبغد دائم، حين صعد منصور، حين صعد منصور وعاصي معاً، فهما يموتان معاً، وبالاسم المشترك الذي عاشا فيه، الى السماء.

كثيراً ما أخذ كثيرون يتساءلون عن حصة عاصي وحصة منصور في العمل الذي شاء الاثنان ان يبقى واحداً، كان في هذا السعي قدر من التلصص لم يحترم إرادة الرجلين. لا يهم، انها عمارة وستبقى عمارة، صنعاها لكن شملت مجتمعاً كاملاً. أشبّه ما صنعه الرحابنة بما صنعه جبران. لقد قلبا جملتنا وكلامنا، في الحقيقة قلبا حساسيتنا. اننا بفضلهما نملك أذنا جديدة وربما جلداً جديداً وبالتأكيد ذوقاً آخر. ربما لم يكن كل ذلك بالأصالة نفسها، ربما كان بعضه مبهراً فحسب لكن، كما صنع جبران، امتلك الرحبانيان تلك القدرة على بناء عالم. كُتبت لفيروز بفضل زياد حياة ثانية. اما منصور فبقي التوأم، بقي »الأخوان رحباني« منفردا. واليوم مع غيابه نقول بحسرة: لقد تمت القدرة، لقد ختمت الأسطورة.

المصدر:
السفير

خبر عاجل