#adsense

آخر كبار الزمن الجميل

حجم الخط

آخر كبار الزمن الجميل 

… وانضم منصور الى رفيق دربه عاصي الذي سبقه الى الموت. انضم الى نصفه الآخر ليكتمل الموت بنصفيه، وبفلقتيه. أمس، كان الموعد الأخير لمنصور الرحباني، قبل أن يترجل عن حياة فاضت بالعطاء والشعر والجنون والثورة والحب. ترجل منصور. وكأن عالماً كاملاً ترجل معه. قرناً كاملاً، وطناً كاملاً. الوطن الذي امتزج بحلمهما امتزاج الهواء بالهواء، والأسطورة بالواقع، والملحمة باليومي، والحنين بالمعيش، والسياسي بالشعري: كأن كل شيء امتزج بكل شيء عند الرحبانيين. بل وكأن المعمارية الموسيقية والغنائية والمسرحية والفكرية تراصت وتماسكت بلا فكاك، بمعنى التجديد وبمعنى الثورة وبمعنى التخيل والمعاناة وبمعنى الشعر. ولهذا لا يمكن مقاربة إنجازات الرحبانيين بمعزل عن فضاء الحداثة الذي غمر لبنان، ولا عن حركات التنوير. ولا عن محاولات تجاوز عصر نحو عصر آخر. وإذا اعتبرنا أن الرحبانيين أسّسا للثورة الموسيقية الجديدة الموازية للإنجازات المصرية، في تلك المعادلة بين الانفتاح على التراث الغربي والمحلي والعربي، وحققا ما يسمى الأغنية اللبنانية بخصوصيتها الخصبة، والأغنية العربية في امتداداتها التاريخية والعالمية والتقليدية، فإنهما، وهذا مهم جداً، كانا من المؤسسين للأغنية الحداثية، أي للشعر الغنائي الحداثي بامتياز، بحيث كان شعرهما (بما في ذلك قصائد منصور الموقعة بإسمه في إصداراته)، إسهاماً في ما يسمى "لبنان الشاعر"، أو الشعرية اللبنانية الممتدة من الأخطل الصغير الى أمين نخلة وسعيد عقل، خصوصاً ميشال طراد والأزجال والأشكال التقليدية. ونظن أنه ومن هذا المنحى بالذات تتساوى قوة شعرهما بقوة ألحانهما وابتكاراتهما. وعلى هذا الأساس بالذات، يمكن إدراج مسرحهما الغنائي، الذي أضاف، (كتنويع) الى المسرح الغنائي العربي، والمسرح اللبناني الطليعي، صيغة مميزة سميت "الصيغة الرحبانية"، التي جمعت عموماً بين السياق المسرحي والأغنية، والفولكلور والموقف. الصيغة المسرحية الرحبانية قدمت بعض التحف الدرامية خصوصاً "فخر الدين" و"جبال الصوان" و"هالة والملك" و"الشخص" و"بياع الخواتم".. إن إنجازاتهما هي إنجازاتهما معاً، وإن حاول بعضهم، بعد رحيل عاصي، أن يفرّق بينهما، وأن يفاضل بينهما، من خلال أحكام غيبية كانت تسعى الى الاضرار بعاصي اضرارها بمنصور. وعلى هذا الأساس، نجد أن منصور الرحباني، بعد رحيل شقيقه، قدم أعمالاً لا تقل أهمية عن تجربتهما المشتركة كمثل "صيف 84" و"الوصية" و"آخر أيام سقراط" وأصدر كتباً شعرية أظهرت حساسيته الحديثة، وفرادته، وظل حتى آخر رمق، مهجوساً بالعطاء، وبالاستمرار في وفائه لنفسه وللإنجاز الرحباني. وقد تجسد هذا الوفاء بالاستمرارية العمودية والأفقية للتاريخ المشترك، ولم يحدث أي تغيير جوهري في تلك الصيغة المعهودة، أو أي "خيانة" أو أي تعديل، سوى ذلك الاختمار في النظر الى الأمور بواقعية، خصوصاً من خلال الحروب والأزمات والمآسي التي عاشتها الأمة العربية ولبنان، منذ نكبة فلسطين وحتى نكباتها المستمرة الى اليوم…

وما يجدر قوله بيقين ان التجربة الرحبانية (عاصي ومنصور) بفضائها المتعدد" وايقاعاتها الكثرى، لم تفقد من حضورها وفاعليتها وآثارها بعد أكثر من نصف قرن على انطلاقها ابتداء بمهرجانات بعلبك وانتهاء بما صاغه منصور منفرداً، في وقت نجد ان كثيراً من هذه الانجازات والالحان اللبنانية والعربية انقطعت عن الذائقة والتطور وروح العصر الحديث. نقول ذلك من دون ان ننسى ان التجربة الرحبانية كموسيقى واغنية وكمسرح، انتصرت مع انجازات عربية ولبنانية اخرى، في هذا الزمن الفني الانحطاطي، وفي هذه الموجات المريضة التافهة من الالحان والغناء والاصوات السائدة!

كأن التجربة الرحبانية مع سواها (من الحان عبد الوهاب وفيلمون وهبي وزياد وتوفيق الباشا وزكي ناصيف والسنباطي وفريد الأطرش..) ما زالت وان بوعورة تتعزز في تقلبات الجيل الجديد اليوم، الذي يبدو وكأنه فاقد البوصلة، وبلا ارث، وبلا وجهة سوى ما يحدده له هذا الفراغ العميم في وسائل الاعلام والشرائط والكليبات والخطاب السياسي التافه والطائفي. ولعلها معجزة ان تنجو التجربة الرحبانية بصوت الكبيرة فيروز واصوات سواها من هذا الانقراض شبه الشامل.

وأخيراً، سلاماً يا منصور ومنك الى عاصي الحبيب، سلاماً لك، وانت ترحل في هذا الزمن الذي نحتاج فيه الى الكبار امثالك. ولكن ماذا نفعل، اذا كنت آخر الكبار الذين فتحوا الباب وأوصدوه خلفهم.
ترحل اليوم، في خضم ما تعانيه غزة وفلسطين وانت وعاصي كتبتما ولحنتما أجمل ما غنى فلسطين وتالياً اجمل ما غنى لبنان: كأنهما وطنان معاً، وطنان ما زالا ينزفان معاً، محاصرين بجنون اسرائيل وتخاذل العالم.

رحلت كأن "الحلم الفلسطيني" و"الغضب الساطع" و"سنرجع يوماً" و"اليوم اليوم وليس غداً" بات مجرد تذكارات ودماء وموتى وخوف ويأس!
رحلت يا منصور والوطن محاط بالمخاطر واللصوص والمجرمين والمرتزقة وشذاذ الطوائف!
لكن نحن معك، وكما لم تترجل عن الأمل ولو بصيصاً، والحلم ولو حطاماً، فنحن منك انت وعاصي، نحن تربينا عليكما… وعلى شفافيتكما وعلى الجرح المفتوح الذي نزف منا جميعاً!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل