#adsense

غاب منصور وبقى المنصور

حجم الخط

غاب منصور وبقى (المنصور)!

الوطن في حزن.
والكلمة في حداد.
واللحن أبكم ويلوذ في صمت مطبق.
وكيف لا يرتدي لبنان ثوبه الأسود.
ولا يلفّ الكلمة، حبل مجدول بخيوط سود؟
مملكة الشعر واللحن والاصلاح، باتت مهيضة الجناح.
غاب الملك عن المملكة.
غادر منصور الرحباني (باترا)، لا الطفلة المخطوفة.
قبل أقل من ربع قرن، رحل عاصي، وهو الملك الأكبر.
ترك فيروز تبكيه، بعدما كانت تؤدي دورها وحدها، و(لأول مرة لا نكون سوا).
أمس، رحل (الملك التوأم).
هل تكون التوأمة بالعمر الواحد؟
أحياناً كثيرة تكون بالرفقة، كما كان عاصي ومنصور ومعهما ثالثهما الياس امد الله بعمره.
اثنان ذهبا بالأغنية شرقاً، والآخر ذهب بها غرباً وشرقاً.
لكن الثلاثة مع فيروز والأنجال، كانوا نواة (المملكة الرحبانية).

* * *
يخطىء من يحسب ان (الأخوين رحباني) كانا رواد شعر ولحن.
أهمية عاصي ومنصور والياس والأنجال والأحفاد، انهم كانوا ولا يزالون رواد اصلاح وطن، وبناء (مملكة للابداع) والنجاح.
بعد حرب 1958، وعند مطلع حقبة الستينات، ذهبنا، وكنا صغارا الى بعلبك، لمشاهدة رائعة الرحابنة (جسر القمر)…

كانت القصة تمثل على أدراج القلعة، وبعد العقدة والحبكة جاء الحل: (ديروا المي) ليشرب الأهالي في القريتين المختلفتين.
المرسَح كان في الهواء الطلق في خدمة السياسة. كما كان المسرح داخل قاعة (البيكاديللي) في خدمة الوحدة الوطنية.
أهمية هذه المدرسة، انها ضمّت الأفذاذ من الشعراء والكتّاب وأهل الموسيقى والفن.
وقمة الابداع والنجاح، ان عاصي ومنصور والرفاق مثل فيلمون وهبه، جعلوا من سعيد عقل وصبري الشريف في لبنان، ومحمد عبدالوهاب والأخطل الصغير، ضيوفاً دائمين على المدرسة الرحبانية.
انها فضيلة المشورة والحوار.

* * *
رحل منصور الرحباني، رحيل العظماء.
والعظمة تكمن في المشورة لا في الانغلاق.
بعدما أصبح وحيداً، بعد رحيل عاصي المفاجىء، شدّ الرحال، وانطلق مجدداً.
أثبت للعالم أن منصور هو المنصور بالله، يصنع منه الفراق أعجوبة العطاء.
قدّم مسرحية صيف 840، واتبعها بـ (الوصية)، وتوّج عطاءاته بمسرحية (سقراط) و(حكم الرعيان).
وصار منصور لا يعترف بموقع بأسره، ولا بمكان واحد يحجزه، بل صار مسرحه يمتد الى العالم العربي.
لكنه حافظ على بطل واحد، في كل أعماله، وجعل غسان صليبا رفيق الابداع الرحباني الدائم.
في الشهر الأخير، أطلق آخر طيوره من عقالها.
ترك الأنجال يعطون، قبل رحيل العام، وقبل بداية العام 2009، (طائر الفينيق) يغرّد في الأجواء.
إطمأن منصور الى أن الطائر عاد يغرّد بسلامة، وذهب الى معالجة أوجاعه ومرضه.
لكن الرجل الذي أعطى لبنان بسخاء، جَفّ عنده رحيق الحياة.
(مملكة الابداع) حزينة.
لكن الحزن لا يقتل العطاء، بل يحييه.

المصدر:
الأنوار

خبر عاجل