لأوّل مرة منذ 1967 يصل الصراع العربيّ ـ الإسرائيلي إلى لحظة إقفال كل الجبهات
استنزاف "مبادرة السلام العربية" تحطيم للسلاح الأخير
ثمّة إتجاه يوحي بتقدّم نوعيّ في مفاوضات القاهرة وبأنّ حركة "حماس" تتقبّل "المبادرة المصريّة" أكثر فأكثر مع كل دقيقة تمرّ، ولا شكّ أن المأساة الإنسانيّة تلعب دوراً ضاغطاً أساسيّاً في هذا المجال، فضلاً عن نتائج المعركة الميدانيّة.
ثمّة، في المقابل، منظومة إقليميّة ممانعة ليس بإمكانها تحمّل أعباء وقف إطلاق النار في غزّة على أساس المبادرة المصريّة والقرار 1860، كما ليس بإمكانها تحمّل الإختلاف البيّن بين الإطار الذي على أساسه سيوقف إطلاق النار في غزّة، والإطار الذي على أساسه توقفت العمليّات الحربيّة في لبنان طبقاً للقرار 1701.
فإذا كان "صغار الممانعين" يتصوّرون أنّه من المتيسّر تسمية الهزيمة نصراً في كلّ الحالات، عملاً بنظرية جوزف غوبلز في تحويل الكذبة إلى حقيقة من طريق كثرة الترداد وصخبه، فإن "كبار الممانعين" يدركون تماماً أنّ الأمور لم تعد على هذه الدرجة من البساطة، ويعلمون أن المكابرة وحدها، وإن كانت مطلوبة، ما عادت تكفي.
ويعود ذلك إلى خطورة الثمن الذي ستدفعه "الممانعة" في غزّة بشكل أو بآخر كثمن لوقف العدوان، أيّاً كانت الصيغ المعتمدة لذلك.
فلأوّل مرّة في تاريخ الصراع العربيّ الإسرائيليّ منذ حرب حزيران 1967 ثمة إتجاه إذا ما توقف العدوان في غزّة لأن تستكين كل جبهات المواجهة القتاليّة مع إسرائيل مرة واحدة ولأمد بعيد.
من أيّام حزيران 1967 إلى اليوم، كان يحدث أن تستكين جبهة وتفتح أخرى، وكان يحدث أن تفتح جبهتان في وقت واحد، إلا أنّه لم يحصل يوماً أن أقفلت جميع الجبهات في وقت واحد. منذ 1967 حتى 1973 كانت الجبهتان "النظاميّتان" المصريّة والسوريّة. الأولى اختارت طريق السلم والثانية وجدت نفسها في خانة "الرّفض" وعينها على سلم لا تملك ثمنه. وعلى صعيد الجبهات غير النظاميّة، كانت المقاومة الفلسطينية من الأردن، ثم من لبنان. بعد 1973 بدا أنّ جبهة لبنان مفتوحة وحدها ضد اسرائيل، فكان غزو لبنان 1982 وإخراج منظمة التحرير منه لإقفال الجبهة الأخيرة. لكنّ المتغيّر الإقليميّ الذي جلبته "الثورة الإيرانية" لم يؤخذ في الحسبان، إذ أعيد فتح هذه الجبهة للصالح القوميّ الإيرانيّ هذه المرّة. ولم يؤدّ خروج منظمة التحرير إلى مزيد من استقرار الإحتلال في الأراضي الفلسطينيّة، بل اندلعت الإنتفاضة الأولى عام 1987.
لكن، بالنتيجة، وضع الإنسحاب الإسرائيلي الأحاديّ من جنوب لبنان القوى الراغبة في عدم إقفال تلك الجبهة في مأزق. وظنّت هذه القوى أنّه من الممكن حصر هذه الجبهة في مكان واحد هو مزارع شبعا، وفي قضية واحدة هي إستعادة الأسرى، حتى إذا جاء يوم 12 تمّوز 2006 تبيّن لهذه القوى أنّه بغية استعادة الأسرى المتبقين لا بأس بتجاوز الخطّ الأزرق فكان ما كان من عدوان إسرائيليّ تمكّن من استهداف البنية التحتية اللبنانيّة وعجز عن ضرب النخاع الشوكي للمقاومة، لكنه كشف عن تناقض موضوعيّ في الداخل اللبنانيّ بين همّ الحفاظ على "البنية التحتية" وبين هم الحفاظ على النخاع الشوكيّ للمقاومة.
أما اسرائيل التي أصيب جيشها بخيبة كبيرة في حرب تمّوز، فإنّها نجحت مع ذلك في فرض وضعية ملتبسة جنوب الليطاني تنذر بإقفال الجبهة بمرور الوقت. كان هذا قبل الدفعتين الأخيرتين من "الصواريخ" التي ما عاد يخفى نوع الهلع الذي تثيره إحتمالات الردّ عليها في أوساط الجنوبيين، خصوصاً الحدوديين.
أما على الصعيد الفلسطينيّ، فينبغي الإعتراف بأنّ العدو تمكّن من الإجهاز على الإنتفاضة الثانية في الضفّة الغربيّة بعد تدمير مخيم جنين، وأمّن من خلال جدار الفصل العنصري وغيره من الوسائل، سبل إقفال جبهة الضفّة، مواصلاً في الوقت نفسه مشاريع الإستيطان، بما فيها المستوطنات الخالية تقريباً من السكّان.
وفي غزّة اليوم، فإن أي وقف إطلاق نار سيؤدّي إلى إقفال الجبهة الأخيرة المشتعلة في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي وفي الصراع العربي الإسرائيليّ، وحينها سيصبح العرب جميعاً سواسية، سواء تسمّوا معتدلين أو ممانعين، في ما يتعلّق بتعليقهم الأعمال الحربيّة مع العدو لأجيال وأجيال.
لكن الفارق أنّ الأنظمة المعتدلة، وكذلك النخب الليبراليّة الموجودة حكماً في تحالف موضوعيّ مع الأنظمة المعتدلة (والتي صارت تبايناتها مع هذه الأنظمة "تناقضات ثانوية" ليس مطلوباً أن تفسد للود قضية في هذه المرحلة) تطرح أفكاراً ورؤى يمكنها التعايش مع هذه الواقعة، واقعة أن كلّ الجبهات يفترض أن تصير مقفلة عملياً بعد وقف العدوان على غزّة، وألا تفتح ثانية إذا لم يكن هناك من صيغة برنامجية جديّة تجيب على السؤال الأبسط: كيف السبيل لتلافي عدم التناسب بين المأساة الإنسانية المهلكة للمواطنين وبين السلامة النسبية للمقاومين التي على أساسها يعلنون النصر؟
في المقابل، لا تطرح قوى الممانعة غير التعريض بالثوابت التي قام عليها العمل العربيّ المشترك، في ظلّ إختراق ايرانيّ غير مسبوق. لأجل ذلك تتوجّه الممانعة الآن إلى استنزاف مبادرة السلام العربيّة التي توفّر الإطار المركزي للإجابة على سؤال "ما العمل بعد غزة؟". كما تحارب الممانعة الفكرة المركزية للنضال الفلسطينيّ وهي أن منظمة التحرير هي الممثّل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطينيّ. كافح الفلسطينيون لأجل أن يقرّ المجتمع الدوليّ بذلك، عشرات الآلاف ضحّوا بحياتهم لأجل هذا الهدف. اليوم ثمة من يريد أن يسلب منهم هذا الهدف.
الثابتة الأخرى التي تحاربها الممانعة هي ثابتة "الأرض" في ما عنى عرب الـ 48. ناضل هؤلاء على أساس ما تفرضه أولوية البقاء في أرضهم، ومن أجل المواطنية والعدالة والمساواة. لكن ومنذ الإفتراء على الكبير إميل حبيبي وصولاً إلى تشكّل ظاهرة عزمي بشارة، والممانعة لا تنفك تعرّض بقاء عرب 48 وأمنهم واستقرارهم للخطر، ما يجعل شبح "الترانسفير" (الترحيل) وارداً من جديد.
وعلى هذا النحو تقوم الممانعة بإضعاف قدرات الإعتدال العربيّ التفاوضية على تحسين شروط الهزيمة مع إسرائيل، وتخاطر بإطلاق رصاصة الرحمة على العمل العربي المشترك. لكن السؤال الذي يطرح نفسه على الممانعة: هل ستبقين ممانعة إذا ما أقفلت كل الجبهات بعد العدوان على غزّة أم أنّك ماضية في فتح جبهة أخرى، جبهة "دفعتي الصواريخ" التي تتمنعين عن نسبتها إليك؟
