صواريخ القمة…
يتكرر العبث للمرة الثانية يا اخوان، لكنه هذه المرة يستهدف بالسياسة جهات هي غير تلك التي سقطت فيها صواريخه بالجغرافيا.
رسالة مشفّرة، ظاهرها كل تلك الرطانة المموهة والمشبوهة بنصرة غزة وأهلها من خلال العودة لتدمير لبنان وأهله، وباطنها باتجاه الداخل السياسي اللبناني وشبهة الاستقلالية التي برزت في مواقف أهل الدولة في الآونة الأخيرة.
و"الآونة الأخيرة" هذه تشمل محطتين بارزتين. الأولى التصدي العلني ومن أعلى مراجع الحكم، ومن خلال الأطر الدستورية القائمة، لكل محاولات إعادة لبنان وأهله الى سوق المتاجرة به وبهم وإعتبارهم مجرد أوراق يمكن طرحها على الطاولة أمام الآخرين وابتزازهم بها في القضايا العالقة معهم والتي لا تمت بصلة فعلية الى القضية المركزية الخاصة بالنزاع العربي ـ الإسرائيلي… والثانية قصة القمة الطارئة في قطر.
الموقف الرسمي شهد في هذا السياق ما يشبه الانتفاضة السياسية، وخرج وتمظهر أمام اللبنانيين والعرب والعالم على انه موقف واحد وان اختلفت تلاوين التعبير عنه تبعاً لاختلاف تلاوين المشاركين في انتاجه… لكنه كان موقفاً واحداً لا يُستهان به ابتداء من رفض قصة الصواريخ هذه وصولاً الى الموقف الاولي المبدئي الذي خرج به مجلس الوزراء في جلسته قبل ظهر الثلاثاء من موضوع القمة الطارئة في قطر.
كان مطلوباً وبهذا المعنى إعادة تذكير هذا اللبنان كم هو مُخترق وكم هو قريب من ملعب النار السوري وكم هو طري العود لا يزال، وكم هي قدرة جاره "الشقيق" على اللعب فيه ساعة يشاء وكيفما يشاء، وفي الوقت نفسه ادعاء البراءة من ذلك مستعيناً بأقنعة كثيرة منها "فتح الإسلام" تارة ومنظمة جبريل تارة أخرى.
في لعبة الثلثين المطلوبين لنصاب قمة قطر بدا مستحيلاً على لبنان ان يبتعد عنها تحت شعارات "الإجماع" و"الوفاق" و"التضامن" العربي، وصار من شبه المحتم جرّه بالقوة الى الحضور وضم صوته الى المحسوبين المطلوبين لإكمال ذلك النصاب… هكذا جاءت "الكاتيوشا" لتذكّره "بحدوده" الفعلية، في الجغرافيا والسياسة على حد سواء.
ما كان يمكن الرد على التعقل اللبناني إلا بالعسف والنار… فهكذا قمة تأتي في الأساس لنسف كل شروطه لحضورها: لنفي الإجماع العربي، والتضامن العربي والوفاق العربي، ولإكمال حفلة الردح ضد مصر والسعودية التي بدأت مع أول لحظات حرب غزة ولا زالت مستمرة وتتجه صعوداً نحو… الهاوية أكثراً فأكثر، وهكذا قمة تستهدف كل شيء إلا هدفها المعلن غزة وأهل غزة… انعقادها هو الهدف في حد ذاته لتكريس سياسة تصفية الحساب مع القاهرة والرياض ولمحاولة كسر المنطق الجامع طالما انه لا يتلاءم مع سياسة "الشقيقة" حيال لبنان وغيره، وإلا ماذا يعني الإصرار الكيدي على عقدها قبل يومين من قمة الكويت المقررة سلفاً؟؟
المهم يا اخوان، ان الصواريخ المذكورة أصابت هدفها هذه المرة؟؟ وأعادت تذكيرنا بالفعل، ان شبهة الاستقلال في قرارنا ستكون لها اثمان باهظة. وفي ذلك تحديداً، لا جديد يذكر. فقصتنا مع "الشقيقة" مستمرة منذ 14 شباط 2005، ولم يتغير فيها الشيء الكثير.. رغم الاحترام الشديد للرفيق ساركوزي وآماله العظام!