البطريرك صفير يؤيد قيام "كتلة وسطية" تكون وازنة لحسم الأزمات
تذكير بتكتل الوسط الذي رشّح فرنجية للرئاسة وفاز بها
لا تزال المواقف متباينة بين البطريرك الكاردينال صفير والعماد ميشال عون ولم يكن لقاؤهما الأخير لمناسبة الاعياد كافياً للتقريب بين هذه المواقف، اذ ان الحديث بينهما اقتصر في هذه المناسبة على المجاملات، وعلى مواضيع عادية.
العماد عون لا يزال يصر على موقفه الرافض قيام "كتلة وسطية" في مجلس النواب المقبل تكون محسوبة على رئيس الجمهورية، معتبراً ان لا وجود لوسط لا طعم له، ولا لون ولا رائحة او على اليسار او اليمين. فالوسطي يسعى الى المساومة ليستفيد منها وهو لا يريد ان يفعل شيئاً يصلح من خلاله والا لماذا لا يقف الى جانب الاصلاح؟"! ويضيف: "قلنا للتيار واصدقائه من يرغب في الترشح اهلاً وسهلاً شرط ان يلتزم ثلاثة امور: الالتزام السياسي وان يكون الارجح بين المرشحين كي يفوز، والالتزام اخلاقياً بعضهم تجاه بعض، وانه ستكون هناك لائحة تطرح ومن لا يقبل فهذا شأنه"…
هذا الموقف معناه ان العماد عون لا يقبل اي مرشح يوصف بانه مستقل او وسطي في لوائحه ما لم يلتزم سياسة "التيار الوطني الحر"، ليس شفهياً ان لم يكن يثق به، بل خطيا… كي يضمن الفوز لمرشحين مضمونين سياسياً، يلتزمون مواقفه من دون تشكيك ولا تردد كما هو حال النواب الحاليين في "تكتل التغيير والاصلاح" ومعناه ايضاً انه لن يفعل كما في الانتخابات الماضية عندما استطاع فيها ان يأتي بمرشحين لا قاعدة شعبية لهم وقد امن الفوز لهم بقوة شعبيته، وقد تضاءلت الآن وبات عليه ان يأتي بمرشحين لهم شعبيتهم الذاتية وليست المستعارة لأنه لم يعد في استطاعته ان يصنع نواباً كما في السابق لذلك قال: "ادعو الذين ترشحوا واصبحوا يعرفون قدرتهم وهل لديهم امكان النجاح ام لا، ان ينسحبوا بدءاً من الآن والا يكملوا، فقد كان لديهم ثلاثة واربعة اشهر استطاعوا من خلالها معرفة امكاناتهم لدى الناس. فمن غير المعقول ان يكون مرشحاً الى النيابة شخص غير قادر على الفوز بعضوية بلدية".
اما البطريرك صفير فيخالف رأي العماد عون لجهة قيام كتلة مستقلة او وسطية في مجلس النواب المقبل تكون وازنة بين الكتلتين الكبيرتين: كتلة 14 آذار وكتلة 8 آذار. وهي كتلة لا يمكن القول ان لا موقف لها، وان لا لون ولا طعم ولا رائحة لها، بل هي الكتلة التي لها لون وطعم ورائحة من خلال المواقف الوازنة التي تتخذها سواء مع هذا التكتل او ذاك. بحسب الموضوع المطروح، فقد تلتقي حيناً مع تكتل 14 آذار وقد تلتقي حيناً آخر مع تكتل 8 آذار تأميناً لحسن سير عجلة الدولة. فلو ان مثل هذه الكتلة كانت موجودة في مجلس النواب الحالي، لما تعرضت البلاد لأزمة تعطيل الانتخابات الرئاسية مدة ستة اشهر. ولما تعذر تشكيل حكومة جديدة او تعيين وزراء بدائل من الوزراء المنسحبين منها، فاذا تكرر هذا الوضع الشاذ في مجلس النواب المقبل، فان المؤسسات الدستورية في البلاد قد تصاب بالشلل عندما لا يكون في قدرة الاكثرية التي تنبثق من الانتخابات النيابية المقبلة ان تحكم ولا في قدرة الأقلية ان تحكم ايضاً، واذا فرض عليهما الائتلاف لجمعهما في حكومة واحدة وهما غير متفقين مسبقاً على برنامج عمل واحد، فقد يصيب هذه الحكومة ما يصيب الحكومة الحالية التي يجرها حصان يشد بها في اتجاه وحصان يشد بها في اتجاه آخر، اياً يكن الحصان الذي يشد بالعربة الى الامام والحصان الذي يشد بها الى الوراء فالنتيجة واحدة وهي ان العربة تبقى في مكانها.. فلا اتفاق على تعيينات ضرورية ولا اتفاق على اقرار المواضيع المهمة.
لذلك يرى البطريرك الكردينال صفير وجوب العودة الى ممارسة النظام الديموقراطي ممارسة صحيحة، بحيث تحكم الاكثرية والاقلية تعارض، وهو ما مارسته البلاد في الماضي وادى ذلك الى انتظام العمل السياسي والاستقرار، فكانت الاكثرية تبقى حاكمة الى ان تصبح اقلية، والاقلية تبقى معارضة الى ان تصبح اكثرية فتحكم.
أما القول بأن لا يكون لرئيس الجمهورية كتلة موالية له او تتوجه برأيه، خصوصاً عندما يكون رئيساً توافقياً، ودوره دور الحكم، فكيف في استطاعته ان يقوم بهذا الدور ولا شيء في يده… ثم كيف يجوز ان يفرض على الناخب ان يختار بين 8 و14 آذار ولا يحق له ان يختار طرفاً ثالثاً اياً تكن تسميته مستقلاً او وسطياً او حيادياً، ففي دول كثيرة ثمة يمين ويسار ووسط.
لقد نزعت من رئاسة الجمهورية صلاحية تعيين الوزراء واختيار رئيس للحكومة من بينهم، ونزعت منه ايضاً صلاحية حل مجلس النواب، افلا يحق له تعزيزا لدوره وهو رئيس لكل السلطات ورمز وحدة الوطن، والساهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة اراضيه، وكقائد اعلى للقوات المسلحة، ان يكون له داخل مجلس الوزراء وداخل مجلس النواب كتلة لها صوت وازن عندما يتعذر التوافق على الموضوع المطروح، وهو الصوت الذي يأخذ مصلحة البلاد في الاعتبار لأنه في الواقع صوت الرئيس المؤتمن على الدستور وعلى وحدة البلاد ارضاً وشعباً ومؤسسات.
ويتساءل البطريرك صفير كيف يوفق اولئك الذين يطالبون من جهة باستعادة او تعزيز صلاحيات رئاسة الجمهورية ويستكثرون عليه من جهة اخرى وجود وزراء او كتلة نيابية تتوجه برأيه. افلم يكن لرؤساء الجمهورية سابقاً حتى يوم كانوا يتمتعون بصلاحيات واسعة بموجب الدستور، احزاباً وكتلا نيابية محسوبة عليهم، أولم يخرج "تكتل الوسط" الذي كان من اعضائه الرئيس كامل الاسعد والرئيس صائب سلام، البلاد من ازمة الصراع على الرئاسة الاولى بين "الحلف الثلاثي" و"تكتل النهج" بترشيح سليمان فرنجية للرئاسة الاولى، ففاز بصوت واحد على الياس سركيس مرشح النهج. وهذا دليل على ان الوسط "له لون وطعم ورائحة"، أولم تكن كتلة النواب الموارنة "المستقلين" في الماضي لها مواقف تختلف غالباً عن مواقف "الجبهة اللبنانية"؟
ان من يعارضون وجود كتلة مستقلة او وسطية في مجلس النواب المقبل انما يهدفون في رأي اوساط سياسية مراقبة الى الآتي:
أولاً: ابقاء رئيس الجمهورية غير قادر على ان يكون حاكماً ولا حكماً عندما يقوم خلاف بين اهل السلطة خصوصاً عندما يبلغ حد شل عمل المؤسسات، اي ان يكون مثل ملكة انكلترة تملك ولا تحكم.
ثانياً: الحؤول دون تمكين الاكثرية النيابية اذا فازت بها قوى 14 آذار، من الحكم وذلك بفرض شروطها عليها لقبول المشاركة معها، كأن يكون لها في الحكومة "الثلث المعطل" وألاّ اصبح الشارع هو المعطل لقرارات الحكومة بحجة انها قرارات تستأثر باتخاذها الاكثرية من دون مشاركة الاقلية…
ثالثاً: ان تشكل قوى 8 آذار والمتحالفون معها، فيما اذا فازت بالأكثرية النيابية حكومة تسمى "وحدة وطنية" يتمثل فيها المسيحيون من الصف الثاني او الثالث كما كان يحصل زمن الوصاية السورية. للقول ان الاكثرية لا تحكم وحدها بل تشاركها الاقلية في الحكم… وهي اقلية تشكل في الواقع جزءاً من سياسة هذه الاكثرية وهي السياسة التي ترضي سوريا…
لهذه الاسباب وغيرها ينبغي تعزيز دور رئاسة الجمهورية كي تكون حاكماً وحكماً في آن واحد بوجود وزراء لها في مجلس الوزراء يكون صوتهم وازناً عند التصويت ولمصلحة الوطن وليس لمصالح ذاتية، وبوجود نواب يكون صوتهم وازناً ايضاً كي تظل المصلحة العامة هي التي تسود على المصلحة الخاصة.