الحل الواقعي في القمة الواقعية في الكويت وليس الكيدية في الدوحة
بصرف النظر عن مسألة نِصاب الثُلثين اللذين من دونهما لا تكون هنالك فرصة دستورية لعقد قمة عربية، فإن الذي يمكن قوله إن أي قمة تحوز نِصاب الثلثين وسواء كانت عادية مثل قمة دمشق أو استثنائية من نوع القمة التي يُريدها الرئيسان بشَّار الأسد وعمر حسن البشير (كل منهما لدواع تتعلق بظروفهما مع المجتمع الدولي) وأخذت قطر على عاتقها الدعوة إليها، لا تحقق أي نجاح في غياب ركنيْ الأمة المملكة العربية السعودية ومصر. ولقد أثبتت قمة دمشق التي لم يُشارك فيها بشخصيْهما الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس حسني مبارك صحة ما نقوله بدليل آن هذه القمة التي كان يمكن لها أن تُشكِّل نقلة نوعية في الواقع السياسي العربي إنتهت على مدى أشهر ولايتها التي تستمر حتى يوم 27 آذار المقبل غير مؤثِّرة وغير مجدية حتى لمضيفها الرئيس بشَّار.
مناسبة قولنا هذا أن قطر فاجأت مجتمعها الخليجي في الدرجة الأولى وبقية الأشقاء العرب في الدرجة الثانية بأنها دعت يوم الإثنين الماضي (12/1/2009) إلى عقد قمة عربية طارئة وحددت يوم الجمعة (أي غداً) موعداً لإستضافتها في الدوحة. وهذه الدعوة على درجة من الإلتباس بمعنى أنها كيدية في بعض منطلقاتها. ولو أنه ليس هنالك قمة عربية إقتصادية ستنعقد يوميْ 19و20 كانون الثاني الجاري في الكويت لجاز التسليم بالدعوة القَطَرية لأنه لا يجوز أن يتواصل العِدوان الإسرائيلي على غزة ولا يلتقي القادة العرب في قمة يتخذون فيها من القرارات ما من شأنه تخفيف هذه الهجمة العدوانية على فلسطينيي غزة. لكن أن تكون هنالك قمة في الكويت سيشارك فيها القادة العرب يوم 19 الجاري ثم تدعو قطر إلى قمة تنعقد فيها قبل ثلاثة أيام من قمة الكويت البعيدة عن الدوحة أقل من ساعة جواً فإن ذلك يبعثُ في النفس التساؤل عن الدوافع وعن النوايا والتشاوف في الوقت نفسه.
وحتى إذا كانت وجهة النظر القَطَرية هي أن قمة الكويت إقتصادية فإن الدعوة لا تكتسب الموضوعية بالشكل المطلوب، ذلك أن أية قمة إقتصادية هي سياسية في الوقت نفسه تماماً مثل أن أية قمة سياسية هي أيضاً إقتصادية في الوقت نفسه. ولا نعتقد أن القادة العرب عندما سيجتمعون في الكويت ستنحصر مداولاتهم في الميزانيات وخلاف ذلك من أمور ذات طابع إقتصادي وإنما سيجدون أنفسهم، ومن دون أن يكون هنالك بند في جدول الأعمال يتعلق بالفاجعة الغزَّاوية، يناقشون بالحد الأدنى من عدم التوافق ما يمكن تقديمه وما يمكن إتخاذه من قرارات في شأن تلك الفاجعة.
في ضوء ذلك يخشى المرء أن يكون وراء الدعوة إلى القمة الإستثنائية في الدوحة ما وراءها. بل نخشى أن يكون الغرض من القمة هذه هو مزاحمة قطر للكويت فضلاً عن تجزئة الصف حول المبادرة العربية التي سبق أن أُقِرَّت بالإجماع في القمة العربية الدورية في بيروت. ومثل هذه البعثرة لتلك المبادرة من شأنها أن تُعيد الوضع إلى المربع الأول، ومن دون أن يُشكِّل الإنقسام حول هذه المبادرة أيُّ علاجٍ للفاجعة الغزَّاوية وللقضية عموماً.
ومن هنا فإنه عندما يلتقي الرئيس حسني مبارك والملك عبد الله بن عبد العزيز في الرياض قبل أمس ويتفقان حول أن قمة الكويت تكفي للتشاور خصوصاً أنها تنعقد بالإجماع فإنهما لا يلتقيان اعتراضاً على مبدأ ضرورة الخروج بموقف عربي حازم وإنما تفادياً للخشية من الإنقسام الأعظم وعلى نحو ذلك الإنقسام الذي حدث في القمة العربية الإستثنائية في القاهرة بعد الإجتياح الصدّامي للكويت وانتهت بأن العرب باتوا عربيْن. وكانت تلك التجربة في غاية المرارة وليس من المصلحة إستنساخها.
وفي إنتظار إنعقاد القمة الإقتصادية العربية في الكويت نتمنى أن تسود الحكمة في أوساط الذين يشاكسون أو يكيدون وأن يتم إستبدال المشاكسة والكيدية بتحضير ملفات تناقش فيها قمة الكويت كيفية إعادة إعمار غزة كما إعمار الضاحية الجنوبية لبيروت من قبل ثم إعمار مخيم نهر البارد.
وهذا في تقديرنا ما يتمناه كل غزَّاوي… بل كل متعاطف مع المحنة الغزَّاوية ويخشى في ضوء الإصغاء المتأني لدعاء الإستسقاء من جانب رئيس حكومة غزة إسماعيل هنية أن تنتهي القضية الفلسطينية هباءً متناثراً.