#adsense

التجارة بالدم الفلسطيني

حجم الخط

التجارة بالدم الفلسطيني

يفيق لبنانيّون كثُر دورياً على انبعاث "المأساة" الفلسطينية مع كل هجمة إسرائيلية. وهي حال مستمرة منذ كانت الدولة العبرية وشعار الصراع العربي ـ الإسرائيلي. ويكاد يختص جمع من اللبنانيين بالإفاقة على هذا الإنبعاث، والتنديد به، وأغلبهم ممّن ينتمي عقيدةً وإيماناً، الى سياسات عروبية وإسلامية.

وينجم عن هذا الإنبعاث تظاهرات تخرج إليها كُتلٌ أهليّة وحزبية تتوسّل الديموقراطية لتهدر بما في داخلها من عصبيّات بعضها موروث، وبعضها الآخر وجه من وجوه النسيج الأهلي الغالب.

وما كان لهذه التظاهرات أن تنقلب حوادث سياسيّة لولا أن المتظاهرين يربطون ربطاً وثيقاً بين هوياتهم الحزبية ومراميهم السياسية والانتخابية وبين الدم الفلسطيني المسفوح في أراضي السلطة الفلسطينية.

فالمتظاهرون "العونيّون" الذين تجمهروا أمام السفارة الأميركية في عوكر، والتي توسّل زعيمهم الولايات المتحدة طويلاً لتحقيق أهدافه السياسية، لم يجدوا مناسبةً للنيلِ من خصومهم السياسيّين الكثر، غير ما يحصل في غزّة.

وحالهم هذه دفعت مشاركين في تظاهرة أخرى كانت الهوية اليسارية غالبة على أفرادها، إلى استهجان الأمر والتساؤل عن الصلة بين ما يجري في الأراضي الفلسطينية وشتم البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير وقائد القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، ورئيس الكتائب اللبنانية الرئيس أمين الجميّل.

لكن الرد كان بترداد هتاف "الله، الجنرال، وبس". وبدا أن هؤلاء حضروا الى السفارة الأميركية التي نزعوا الى شتمها منذ "ورقة التفاهم" مع حزب الله والتنديد بـ"تدخلها" في الشؤون الداخلية، لتأكيد حضورهم الشعبي الهادر وقوتهم في المجتمع اللبناني، وإن رأيهم في تسوية الصراع الدائر هناك يجب أن يؤخذ بالاعتبار.

فالدم الفلسطيني مشجب تعلّق عليه التيارات والقوى السياسية العروبية والاسلامية، ومؤخراً المسيحية "العونية"، برامجها وأهدافها، وهي تتوسّل القضية الفلسطينيّة الى تعريف نفسها والتذكير بهويّاتها المتنافرة وتقويتها، فضلاً عن اتخاذها سبيلاً لتنسيب الجماهير وحناجرها الملتهبة.

وعلى مثال العونيين، نزع الشيوعيون في تظاهرتهم في المكان عينه الى الإكثار من رفع الرايات الحمراء المذيلة بـ"المنجل والمطرقة"، حتى تظهر كثرة مفتعلة. ويزعم هؤلاء اليساريّون لأنفسهم ضلعاً في الأحوال الفلسطينية القائمة وقدرة على التأثير في مجراها. ويجمعون حرب إسرائيل الى معاداة الولايات المتحدة، وهي أم المعارك بالنسبة إليهم. ولا يترك أي فرد منهم فرصة إلا وينبري للإدلاء بتصاريح أمام شاشات التلفزة التي تتداعى كلها الى المنطقة مجرّد معرفتها بنيّة الحشود ونوازعها تحسباً لتطورات قد تأخذ طابعاً أمنياً في ظل استقرار هشّ.

ويجد الشيوعيون أنفسهم مسوقين الى تعليق آمالهم الإشتراكية على مشجب الدم الفلسطيني، فميزان الإنتصار في السياسة العربية ـ سواء أكانت سياسة دولة أم أمنية وعسكرية ـ رهن بمواجهة أميركا وسحق الإمبريالية والعولمة. وينعتون "بالوهن" السياسات الساعية الى حقن دماء الفلسطينيين من خلال الأمم المتحدة وقراراتها. واقترح أحدهم الإعداد لحرب لا تُبقي ولا تذر وتأخذ في طريقها "الأنظمة العربية المتخاذلة" من دون أن يحددها ولا يحدد خذلانها.

ويرد قعود هذه الأنظمة عن الحرب الى "عمالة" الحكّام وتِبعيّتهم وخضوعهم لأوامر المخابرات المركزية الأميركية. ويعتبر آخر أن السبيل الى إحقاق العدل هو وقف المفاوضات مع إسرائيل والمضيّ في حرب لا هوادة فيها، وان حل الدولتين المنفصلتين "سيبقي المشكلة" الى الأبد. وتقوم هذه الدعاوى على توريط الكل في حرب ذهب إليها جزء ومن دون أن يسأل أحداً.

وإذ يعلن المتظاهرون "حتمية الانتصار" فهم لا يشهرون المعايير التي يقاس عليها "الانتصار" المفترض أو يُنسب إليها. وكلّهم يسيرون في مسالك مقولة دينية ويتشبّهون بها حول انتصار الرمز أي الدم على الآلة.

ويتستّر المتظاهرون اليساريون في هتافاتهم على ما كان للبنان من نصيب في سياساتهم، أو ما أرسته حركاتهم الشيوعية من ممارسات في دول حكموها مديداً ولعقود فاقت السبعة. وإذ يستعيرون ،في ما يرفعونه من لافتات ، عبارات هي من أرشيف السبعينات، فإنهم يغفلون النتائج التي ستترتّب على الفلسطينيين إذا ما استمرّت الحرب عليهم. وينحصر حديثهم بـ"الضمير الإسرائيلي المثقل بالدم". والتساؤل الذي يجدر بالمرء أن يوجّهه الى هؤلاء: ما هي كميّة الدم التي يجب أن تُراق في غزّة، وعدد الجثث التي يجب أن تُسحق تحت جنازير الآليات الإسرائيلية حتى يستفيق ضمير مَن يحضّ الفلسطينيين على الصمود، وضمير القاتل في آن، ولماذا كان أصلاً إسقاط التهدئة طالما أن المرجو الآن هو العودة إليها؟

وأكثر المضمرات وضوحاً تلك التي تتبدّى في التظاهرات المنظمة من قبل "حزب الله". فهذه المنظمة تنوب نفسها عن الفلسطينيين وتخاطب العالم باسمهم، وتتلفّع قضيتهم تلفّعاً يخالُ المرء معه أن "ملعب الراية" في شارع الشجاعية في غزّة، وليس في ضاحية بيروت الجنوبية. ويغفل قادة الحزب في حضّهم الجماهير المجتمعة بمناسبة دينية (عاشوراء) على كراهية أنظمة بعينها ـ وإغفال أخرى لم تفعل شيئاً غير إصدار بيانات التنديد ـ تأثير انقسام الطاقم الحاكم الفلسطيني أو السلطة.

وينزع قادة التظاهرة الى مخاطبة الجموع من دون التطرّق الى معنى التنصّل من تبعات بناء الدولة وموجباته وسيادته. وهذا الوجه لا يناقشه أحد ولا يتطرّق الى دلالات ونظرة الدول الى "حماس" كحزب وليس كشرعية سياسية بسبب من انقلابها في صيف 2006. وفي ذلك سبيل للإقرار لهذه الحركة الاسلامية بالحق في انتهاج سياسة داخلية وإقليمية، عسكرية وأمنية، مستقلّة عن سياسة السلطة الفلسطينة الذي صار حضورها مقصوراً على رام الله وبعض الضفة الغربية.

وعلى مثال التظاهرات في الدول العربية والاسلامية، تنتهي التجمّعات الى الإستماع لموعظات واستراتيجيات لا تَشي بأن مُطلقيها يحوزون شيئاً في السياسة وحِرفتها. ويوهم الخطباء الحشود أن لا تبعة على أوطانهم لا بشرية ولا سياسة ولا اقتصادية. وإذا كان حالهم هكذا فهم يهجسون بعالم ينفردون به ولا يعكّر صفوه أحد غيرهم، وما كان وما سيصير تجارة لا تضامناً.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل