الاستقرار أو القرار
لم يتأخر كشف "الحزّورة" كثيراً يا إخوان. صواريخ مجهولة أو مموّهة حتى يوم أمس، بعده صارت معلومة الهوية والهدف والعنوان. ولا حاجة أكثر للتبصير.
نائب سابق وأحد أبرز الناطقين المحلّفين باسم الشقيقة، في لبنان بقّ البحصة عالمكشوف من خلال مداخلة موجزة على قناة تلفزيونية إخبارية محلية ممانعة: إذ إنه ومن دون أي مواربة، ولا لف أو دوران، ولا زوغان، أو عنعنات بلا عنوان وضع الخلاصة التالية أمام رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان: قراره بعدم المشاركة في "قمة النصر والتحرير وإعادة أمجاد الأمة في الدوحة"، سيعني ضرب الوحدة الوطنية وما يستتبع ذلك من ضرب للاستقرار الداخلي وللهدوء عند الحدود الجنوبية، ونسف للقرار 1701، وفتح المنطقة أمام كل من "يرى ان من واجبه التحرك لنصرة أهلنا وشعبنا في غزة"!.
طبعاً الرسالة المتلفزة، كانت سبقتها واحدة مكتوبة بالخط العريض تحمل المعنى ـ الاتهام نفسه وموجهة الى رئيس الجمهورية مباشرة من دون مواربة أيضاً.
وحسبة بسيطة يا إخوان تؤكد، ما سبق وكُتب في هذه الزاوية بالأمس، من أن مطلق صواريخ الكاتيوشا إنما أراد أن يوجهها الى الداخل اللبناني وليس الى المستوطنات الإسرائيلية، وأن هوية الفاعل لم تعد خافية أو مموهة خلف واجهات إرهابية أصولية أو تنظيمات هامشية فلسطينية… هي كانت معروفة أصلاً، لكن الكلام الذي تلاها في شأن موقف رئيس البلاد والعباد من قمة الدوحة، وضع النقاط على حروفها وكشفها كشفاً لا لَبْس فيه.
… وذلك الكلام جاء لأن الرسالة المموّهة بالصواريخ لم تصل الى هدفها السياسي، ولأن صاحب الشأن قرر أنه غير معني بها لا من قريب ولا من بعيد، بل هو وفقاً لقَسَمه الدستوري، ودوره الريادي، وضميره الوطني، وحسّه القومي الصحيح، وعنفوانه المتأتي من وعيه لمنصبه، وكرامة الكرسي التي يجلس عليها، معني فقط بالارتهان أولاً وأخيراً وإلى الأبد لبلده وأهله ومصلحتهما الوطنية العليا.. ومعني بالتفتيش عن ما يدّعم ذلك ويكمش عليه كالكامش على الجمر من دون أن يتراجع أو يتساهل أو يتنازل.
لا مصلحة للبنان وأهله في الدخول في لعبة محاور سبق وأن دفع ثمنها غالياً. ولا مصلحة للبنان وأهله في تمييع الأهداف النبيلة الخاصة بمجزرة غزة وأهلها وتحويلها الى منصة لإطلاق المواقف الكيدية، وتصفية الحسابات السياسية مع هذا النظام العربي أو ذاك… دماء شهداء غزة، أعزّ من ذلك بكثير وأغلى بما لا يقاس من نواطير المراثي، وتجّار الحروب الأهلية، والمزايدين بشعارات الممانعة والتصدي… ثم أن اللعبة أكبر وأخطر وأعمق من أن يُعرّض لبنان نفسه لتأثيراتها أو تداعياتها. فهو أصلاً وفرعاً لم يعد قادراً على ذلك رغم صراخ المناضلين الأشاوس عن بُعد.
أطلقوا الصواريخ لجرّه الى قمة الدوحة، لكنهم اصطدموا بحائط صدّ لا مثيل لبنيانه منذ سنوات طويلة، يذهب الى الدوحة لكنه لا يشارك الا في قمة تعقد وفقاً لميثاق الجامعة العربية.. وكأنه بذلك يقول إنتهت مدة الإيجار واستحق المُلك لأهله وأصحابه. ورئاسة الجمهورية اللبنانية لم تعد رديفاً متمماً لضباط عسكر الشقيقة فحسب، بل عادت الى وظيفتها الأولى والبديهية. رئاسة لجمهورية كاملة الكيان والبيان إسمها لبنان، ورئاسة لشعب ذاق الأمرّين واكتفى، وليست مخفراً لمشعوذ ببطولات فارغة على قياس عقله إن وُجد.
… رحم الله شهداء غزة الأبرار وأنقذها وأهلها من ضيم لا يقارن: من العدو بالنار، ومن مدّعي حمايتها بالمتاجرة بها!