اتهام عربي: سوريا تريد إنقاذ حكم "حماس" لا الفلسطينيين
الأسد لأوباما: الأولوية للجولان لا لفلسطين
"اكد مسؤولون عرب بارزون لجهات اوروبية رسمية ان نظام الرئيس بشار الاسد يريد في الدرجة الاولى انقاذ حكم "حماس" في قطاع غزة وليس انقاذ الفلسطينيين من محنتهم الرهيبة. وشددوا على ان النظام السوري يتحمل مسؤولية تاريخية كبرى في ايصال الفلسطينيين ومعهم العرب، الى مأزق بالغ الخطورة لانه هو الذي شجع "حماس" على تنفيذ انقلابها المسلح في غزة وعلى احداث انشقاق عميق ليس له سابق في صفوف الشعب الفلسطيني وذلك بالتفاهم التام مع القيادة الايرانية، وهو الذي احبط كل جهود المصالحة بين الفلسطينيين التي قامت بها السعودية ومصر، كما انه هو الذي طالب "حماس" برفض تمديد التهدئة الامنية وبتصعيد المواجهة العسكرية مع الدولة العبرية، بالتفاهم ايضا مع الايرانيين، ومن دون ان يتوقع ان يكون رد الاسرائيليين على ذلك كاسحاً ومدمراً وشاملا.
واوضح هؤلاء المسؤولون العرب للجهات الاوروبية ان حرب اسرائيل الشرسة ضد غزة شكلت في جوانبها وتطوراتها المختلفة هزيمة سياسية وديبلوماسية ومعنوية حقيقية للاستراتيجية السورية – الايرانية في التعامل مع المشكلة الفلسطينية، كما اظهرت بوضوح عزلة الاسد وعجزه عن قيادة العمل العربي المشترك او توجيهه لمواجهة هذه الازمة الخطيرة وايجاد الحلول الملائمة بالتعاون مع الدول الكبرى والدول العربية المعنية بالامر، على رغم انه الرئيس الحالي للقمة العربية".
هذا ما كشفته لنا مصادر ديبلوماسية اوروبية وعربية وثيقة الاطلاع في باريس واوضحت ان هؤلاء المسؤولين العرب ابلغوا الى الجهات الاوروبية ذاتها بوجود معلومات اكيدة حصلوا عليها تفيد "ان نظام الاسد يريد منع قيام دولة فلسطينية قبل التوصل الى اتفاق سلام سوري – اسرائيلي، وهو لذلك يدفع "حماس" وفصائل فلسطينية اخرى الى اعتماد خيار المقاومة المسلحة الانتحارية غير المتكافئة مع اسرائيل لاضعاف الفلسطينيين وموقفهم التفاوضي، كما انه يريد انهاء وجود قيادة شرعية فلسطينية موحدة برئاسة محمود عباس وفرض وجود سلطتين فلسطينيتين، الاولى في غزة وتمثلها "حماس"، والثانية في الضفة الغربية وتمثلها السلطة الوطنية من اجل القضاء في هذه المرحلة على عملية التفاوض الفلسطينية – الاسرائيلية تمهيدا لاعطاء الاولوية لاطلاق عملية تفاوض اخرى باشراف إدارة الرئيس باراك اوباما ومشاركتها من اجل تحقيق السلام بين سوريا واسرائيل بما يؤدي الى تحسين علاقات بلاده مع اميركا والغرب".
وشدد هؤلاء المسؤولون العرب على ضرورة التصدي لهذا المخطط السوري المدعوم ايرانيا واحباطه. واكدوا رفض الدول العربية المعتدلة المصالحة مع نظام الاسد ما دام يعتمد هذه الاستراتيجية الخطرة والمدمرة في تعامله مع فلسطين ولبنان وقضايا المنطقة الاخرى.
غزة ولبنان
وكشفت المصادر الاوروبية والعربية المطلعة ان حرب غزة ابرزت وجود تناقضات اساسية وعميقة بين موقف سوريا المدعوم ايرانيا، وموقف مصر والسعودية والاردن وغالبية الدول العربية. وتتركز هذه التناقضات على المسائل الآتية:
اولا، تريد الدول العربية المعتدلة التي تقودها مصر والسعودية ايجاد حل عربي – دولي للازمة الحالية الناتجة من حرب غزة ينهي، فعلا، قدرة "حماس" على اشعال حرب فلسطينية – اسرائيلية مدمرة بقرار تتخذه هذه الحركة بالتفاهم مع سوريا وايران من اجل خدمة اهداف هذين البلدين ومصالحهما، وان ادى ذلك الى تهديد المصالح الحيوية للشعب الفلسطيني. وعلى هذا الاساس طالبت هذه الدول بضمانات دولية حقيقية ليس فقط لانهاء حرب غزة بل ايضا لتأمين الحماية للشعب الفلسطيني من اي اعتداءات اسرائيلية واطلاق عملية تفاوضية جدية بين الفلسطينيين والاسرائيليين برعاية اميركية – دولية، وبحيث يرافق ذلك تحقيق مصالحة فلسطينية – فلسطينية شاملة برعاية مصرية تعزز السلطة الشرعية التي يرئسها محمود عباس رئيس جميع الفلسطينيين وفقا لعمرو موسى الامين العام للجامعة العربية. ويؤدي ذلك كله الى توحيد القرار الفلسطيني ومنع "حماس" من الانفراد بقرار الحرب، كما يؤدي الى الاتفاق على اجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في يوم واحد خلال مستقبل قريب.
وبعد التوصل الى مثل هذا الحل تتركز الجهود لتأمين الاموال اللازمة لاعادة اعمار غزة في اطار اعتماد الفلسطينيين موحدين خيار السلام المدعوم دوليا وعربيا. اما نظام الاسد فانه يرفض مثل هذا الحل العربي – الدولي للازمة ويريد في الواقع حلا سوريا – ايرانيا لها يؤدي الى تكريس استمرار سلطة "حماس" في غزة واحتفاظها باسلحتها وبقدراتها العسكرية والقتالية في التعامل مع اسرائيل في معزل عما تقرره السلطة الفلسطينية الشرعية، وان ادى ذلك الى تعطيل واضعاف قدرة القيادة الفلسطينية على حماية شعبها وعلى ايجاد حل سلمي للنزاع مع اسرائيل. ووفقا لما قاله لنا ديبلوماسي عربي بارز: "ان الاسد يريد دفع الفلسطينيين الى المواجهة العسكرية المستمرة المدمرة وغير المتكافئة مع اسرائيل بينما يرفض هو اعتماد خيار المقاومة المسلحة لاستعادة الجولان المحتل ويريد حل النزاع سلميا مع اسرائيل والامر نفسه ينطبق على ايران التي ترفض الدخول في اي مواجهة عسكرية مع اسرائيل دفاعا عن الفلسطينيين ولتعزيز قدراتهم القتالية".
ثانيا، دعوة الاسد التي تمت بالتفاهم مع قطر، الى عقد قمة عربية طارئة في الدوحة لمناقشة حرب غزة هدفت الى تحقيق امرين اساسيين: الاول اشراك "حماس" في هذه القمة الى جانب وفد السلطة الفلسطينية الشرعية، والاصرار على التعامل مع "حماس" على اساس انها طرف يجب التفاوض معه عربيا، ودوليا لمعالجة الازمة مما يكرس الانقسام الفلسطيني ويقضي على جهود مصر والدول العربية المعتدلة لتوحيد الموقف الفلسطيني. الامر الثاني هو دفع مصر والسعودية الى المصالحة مع سوريا خلال هذه القمة وتحميلهما مسؤولية اضعاف الموقف العربي اذا ما رفضتا الرضوخ للشروط والتوجهات السورية لكن مصر والسعودية وغالبية الدول العربية احبطت هذا المسعى السوري لانها ترفض تكريس الانقسام الفلسطيني لما يشكله ذلك من خطر على القضية الفلسطينية، ولانها تريد عقد قمة عربية بعد التوصل الى حل لازمة غزة بحيث تتبنى القمة هذا الحل وتدعمه، كما انها تريد قمة تعزز التضامن العربي بدلا من تعميق الخلافات والسقوط في المزايدات.
ثالثا، اراد نظام الاسد ان يستغل ازمة غزة وتداعياتها المختلفة، كما استغل ازمة لبنان، من اجل تأمين مصالحه وتعزيز موقفه التفاوضي مع اسرائيل والدول الكبرى من خلال اثبات قدرته على التعطيل والتخريب والاذى تحت شعار "حماية المقاومة"، ثم ابداء استعداده لتحقيق التهدئة وتأمين الحل في مقابل حصوله على مكاسب سياسية. وما يفعله نظام الاسد في الساحة الفلسطينية يشبه تماما ما فعله ويفعله في لبنان حيث يحرض حلفاءه على البقاء في حال صراع مستمر مع القوى الاستقلالية الرافضة الهيمنة السورية على البلد، بل انه يشجع حلفاءه سراً على استخدام السلاح والعنف ضد الاستقلاليين اذا لزم الامر من اجل اضعافهم وتعزيز نفوذ دمشق. وفي فلسطين يركز نظام الاسد جهوده على ابقاء القوى الفلسطينية في حال صراع مستمر، بالتفاهم التام مع ايران، وهو لذلك شجع "حماس" على تنفيذ انقلاب مسلح ضد السلطة الفلسطينية الشرعية والسيطرة على غزة، كما يعمل على تكريس حكم "حماس" في غزة كأمر واقع يجب تقبله والتعامل معه عربيا ودوليا، وبحيث تمتلك "حماس" القدرة على الاحتفاظ بخيار المقاومة المسلحة المستمرة المتعارض مع خيار السلطة الفلسطينية الشرعية المتمسكة بحل النزاع سلميا مع اسرائيل. وهذا ما يفعله تماما في لبنان حليف سوريا الآخر "حزب الله" الذي يتمسك بدولته المسلحة ويحتفظ وحده بقرار الحرب مع اسرائيل ويرفض التخلي عنه للسلطة الشرعية كما هي الحال في سائر دول العالم. لكن الدول العربية المعتدلة بقيادة مصر والسعودية ترفض كليا هذا التوجه السوري في فلسطين وفي لبنان وتعمل في هاتين الساحتين على تأمين المصالح الحيوية المشروعة للشعبين الفلسطيني واللبناني من خلال المساعدة على تحقيق الوحدة الوطنية ودعم القرار المستقل للفلسطينيين واللبنانيين، وتعزيز خياراتهم السلمية، ومساندة مطالبهم المشروعة في اتصالاتها الدولية. ووفقا لما قاله ديبلوماسي عربي بارز: "ترى الدول العربية المعتدلة ان تكريس الانقسام السياسي الفلسطيني يؤدي الى تكريس انقسام الارض الفلسطينية بين غزة والضفة الغربية. وهذا التوجه التقسيمي للفلسطينيين هو ما تريده فعلا اسرائيل لانه يساعدها على التهرب من تنفيذ المطالب الدولية والعربية الداعية الى اقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة والاستمرار ولهذا السبب تواجه الدول العربية المعتدلة بجزم مساعي سوريا وايران الخطرة لتعميق الانقسام بين الفلسطينيين من خلال محاربتهما السلطة الفلسطينية الشرعية برئاسة محمود عباس ودعمهما دولة "حماس" في غزة".
رفض المصالحة مع الاسد
رابعا، هدف نظام الاسد من وراء هذه الاستراتيجية الفلسطينية الخطرة هو "اقناع" ادارة الرئيس الاميركي الجديد باراك اوباما بان الوضع في الساحة الفلسطينية معقد جدا وغير قابل للحل في هذه المرحلة بسبب وجود سلطتين وليس سلطة واحدة. ولذلك على الادارة الاميركية، وفقا للسوريين، ان تكتفي "بادارة" النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي والعمل على "احتوائه"، وان تركز جهودها الديبلوماسية بدلا من ذلك على اطلاق عملية تفاوضية جدية بين سوريا واسرائيل تؤدي الى عودة الجولان الى السيادة السورية في مقابل السلام الكامل، وتطبيع العلاقات بين البلدين وبحيث ترافق ذلك تحسين العلاقات السورية – الاميركية والسورية، العربية وتطورها بما يعزز مواقع النظام السوري دولياً وعربيا واقليمياً.
لكن الدول العربية المعتدلة ترفض كليا هذا التوجه السوري وتركز جهودها على ضرورة ان يكون توحيد الفلسطينيين والقرار الفلسطيني جزءاً اساسيا من اي صيغة حل للازمة الراهنة، كما انها تجري اتصالات سرية مع اوباما والقريبين منه لاقناع الرئيس الاميركي الجديد بضرورة الانطلاق من ازمة غزة لاعطاء الاولوية لاطلاق عملية سلام جدية فلسطينية – اسرائيلية بمشاركة اميركية ودولية فاعلة ومؤثرة وبمساعدة عربية.
ضمن هذا الاطار كشفت لنا مصادر سياسية عربية رفيعة المستوى ان الرئيس الاسد بعث باقتراح الى المسؤولين المصريين والسعوديين، عبر رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان وجهات اخرى، يدعو فيه الى اعطاء الاولوية لتحقيق مصالحة بين سوريا ومصر والسعودية على ان يتكرس ذلك في لقاء قمة يعقده زعماء الدول الثلاث ويتم خلاله الاتفاق على احياء التعاون في ما بينهم لمعالجة قضايا المنطقة.
واوضحت المصادر ذاتها ان الاسد اراد استغلال ازمة غزة لمحاولة الخروج من عزلته وفرض نفسه شريكاً مع دول عربية بارزة، ومؤثرة في معالجة قضايا المنطقة الاساسية وعلى رأسها قضيتا فلسطين ولبنان.
وذكرت المصادر ذاتها ان الدول العربية المعنية بالامر رفضت هذا الاقتراح السوري لانه يهدف فقط الى تأمين مصالح نظام الاسد، وشددت على ضرورة اعطاء الاولوية لتحقيق المصالحة والوحدة بين الفلسطينيين عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية تعمل على حل النزاع سلميا مع اسرائيل. وشددت هذه الدول العربية على ضرورة تخلي نظام الاسد فعلا عن سياساته وتوجهاته الخطرة المسيئة الى الفلسطينيين واللبنانيين، وعلى ضرورة ان يعطي هذا النظام الاولوية للمساعدة على تأمين المصالح العربية العليا وليس المساعدة على تأمين مصالح النظام الايراني الراغب في فرض هيمنته على المنطقة وشددت ايضا على ضرورة ان يتخلى نظام الاسد عن اعتماد سياسة المزايدات، واطلاق الافتراءات، وتوجيه الاتهامات "الظالمة والكاذبة" ضد مصر والسعودية وغيرهما من الدول، كشروط لتحقيق اي مصالحة مع سوريا.