التسلّق على الجراح
"وأعد أضلاعي فيهرب من يدي بردى
وتتركني ضفاف النيل مبتعدا
وأبحث عن حدود أصابعي
فأرى العواصم كلها زبدا"
(من قصيدة أحمد العربي لمحمود درويش إنتفاضة الحجارة)
كانت الانطلاقة في الثامن من كانون الأول سنة 1987 بعد أن أقدم سائق شاحنة عسكرية إسرائيلية على دهس مجموعة من العمال الفلسطينيين أمام حاجز بيت حانون، فاستشهد خمسة منهم وجرح سبعة، جميعهم كانوا من مخيم جباليا في قطاع غزة. إنطلقت الثورة في اليوم التالي، عقب تشييع جثامين الشهداء، وامتدت لتشمل مختلف مدن ومخيمات الضفة الغربية وسط ذهول قادة إسرائيل والقيادات الفلسطينية والعربية معاً.
رغم أن قوات الاحتلال واجهت هذه الانتفاضة بقسوة بالغة، إلا أن قوة هذه الثورة كانت تزداد حدة يوماً بعد دخول عناصر التنظيم عليها من قبل قيادات منظمة التحرير ومن قبل قيادات المجتمع المدني الفلسطيني، الذين كانوا هدفاً للاستهزاء سابقاً من قبل القيادات والعناصر المقاتلة. لقد أخذت هذه الانتفاضة شهرتها من كونها حركة شعب أعزل ومظلوم، يواجه قوة عاتية ومتكبرة. وقد وضع هذا الواقع قادة ومجتمع الاحتلال في وضع حرج أمام المجتمع الدولي، فأصبحت المعايير الأخلاقية والإنسانية لتصرفات العدو موضع تنديد وتشهير حتى في الداخل الإسرائيلي.
وقد كان أكثر المشاهد تأثيراً على الرأي العام العالمي عندما أعلن "إسحق رابين" عن أنه أصدر الأوامر لجنود الاحتلال بتكسير أرجل وأيدي المنتفضين، فتناقلت وكالات الأنباء مناظر الجنود الإسرائيليين وهم يكسرون أطراف الشبان الفلسطينيين بأعقاب البنادق.
لا مجال للشك بأن الانتفاضة الأولى كانت المثال الأعظم على قدرات الشعب الفلسطيني في التضحية والتضامن والانضباط للدفاع عن حقوقه، وقد يجادل الكثيرون من المشككين في مدى ما حققته هذه الانتفاضة غير المسلحة، وإن لم تكن سلمية، ولكن الواقع الذي لا يمكن الجدال فيه هو أن هذه الثورة حوّلت مسألة فلسطين من قضية شعب مشتت وبائس وحائر ومحبط وفوضوي وغاضب، يهدد ويزعج دول الشتات وأنظمتها أكثر مما يزعج المحتل، الى قضية شعب صابر ومستعد للتضحية للحصول على حقه وأرضه وبحريته، يملك من وسائل المقاومة ما هو أقوى وأنفع من مئات الأحزمة الناسفة، ومن الصواريخ المصنعة محلياً، أو الفارسية المورد.
وهكذا بدأت ترتسم معالك خارطة فلسطين على النطاق العالمي بعد أن أجبرت هذه الانتفاضة العالم والإسرائيليين على الاعتراف بالشعب الفلسطيني كوجود وكحقوق، والأهم أنها سحبت قضية فلسطين من أيدي الأنظمة العربية التي خدرت شعوبها ومنعت عنها الحرية والنمو تحت شعارات تحرير فلسطين. ولكن رغم كل ذلك قام غلاة التعصب الصهيوني باغتيال كل ما صنعه أبطال الانتفاضة الأولى العزّل، من خلال استدراج الانتفاضة الثانية المسلحة وأحزمتها الناسفة التي نسفت معظم ما حققته براغماتية أبو النضال الفلسطيني وأمه الراحل "أبو عمار".
درس الاجتياح 1982
أثناء الاجتياح الإسرائيلي، كنا مجموعة من الشباب الجامعيين الذين رموا الكتب والأقلام وحملوا مكانها البندقية لمقاومة العدو، يومها كنا نقاتل ونحن متأكدون من أن صمودنا سوف يقلب المعادلات، وسوف يقلب الأنظمة تحت ضغط المد الشعبي الذي سيزحف حتماً لنصرتنا وكسر حصار بيروت، أو لفتح جبهات مساعدة في الجولان وسيناء وعلى ضفاف نهر الأردن.
كنا شباباً حالمين، الى أن صحونا من أحلامنا على كابوس خروج المقاتلين الفلسطينيين نحو المجهول، وعندما دخل الغزاة عاصمتنا، ورغم كل ذلك لم يسقط أي نظام! ولم تزحف أي حشود! وبالطبع لم تفتح أي جبهات! ولكن خطابات التنديد، وصرخات المتظاهرين في كل العواصم العالمية والعربية كانت تنهال بغزارة على قيادات إسرائيل من دون أن تغيّر شيئاً في موازين المعركة!
لقد كان كل يوم من صمودنا يكلّف المئات من الشهداء والمعوقين والأشلاء المقطعة، والبيوت المدمرة، مما حوّل العاصمة عملياً الى ركام. ورغم كل ذلك بقيت الجبهات صامتة!
كل ذلك كان ياسر عرفات يعيشه مثلنا لحظة بلحظة، الى أن أدرك أن النظام العربي، الرسمي منه والشعبي، متجاهل وعاجز عن فعل أي شيء خارج إطار الخطابات والمظاهرات والندب وتبادل الاتهامات، وما كان الأكثر إثارة للسخرية هو نصيحة العقيد الليبي للفلسطيني بالانتحار!
ومن بعد مرحلة الاجتياح الإسرائيلي من الجنوب أتى الاجتياح الإيراني السوري من الشرق والشمال، حين استولى الحرس الثوري على إرث الثورة الفلسطينية في البقاع، بعد أن قسمت المخابرات السورية إرث منظمة التحرير وحوّلته الى أقبية لها.
وكان القضاء النهائي على البندقية الفلسطينية المستقلة بعد حصار طرابلس والخروج الفلسطيني الثاني الى المجهول سنة 1983.
بعد كل ذلك لم يبق لياسر عرفات إلا اليأس الى أن أتت "معجزة" الانتفاضة لتعيد الأمل، وتعيد "الختيار" الى أرض فلسطين بعد اتفاقات "أوسلو".
ما بعد أوسلو
في أوسلو كانت الخطوة الأولى لحلم العودة الطويل الذي كان يحتاج للصبر والبناء والصمود الى أن تأتي مراحل جديدة تتغير فيها المعادلات الداخلية والخارجية، ولكن مزايدات الانتفاضة الثانية الدموية أتت لتغتال الحلم وتقتل ياسر عرفات. قد يكون ما قتله السم الإسرائيلي، ولكن ما قتله قبل ذلك كان انقسامه على ذاته بين مسار الواقعية السياسية وبين مسار الشعارات العنترية.
أما اليوم، فأمام الدم المسفوك، تنحني كل الكلمات، ويصبح منطق التحليل والفلسفة قاصراً ومن دون معنى في مواجهة أشلاء الأبناء المتناثرة وأجسادهم المفتوحة الأذرع لعناق الأحبة الراحلين من قبلهم ولعناق الركام وعناق الموت. لست أدري ما هي المواصفات العالمية التي يصبح إسم القتل فيها مجزرة؟ أهو عدد الضحايا، أم خبث الدوافع، أم وحشية التنفيذ، أم شر المقاصد؟ أم هي المدة الفاصلة بين مقتل ضحية وأخرى؟ ولكن الحقيقة الوحيدة الراسخة هي أن فلسطين تعيش مجزرة مستمرة منذ اليوم الأول الذي قرر العالم فيه حل قضية اليهود، والتكفير عن آثامه تجاههم بإثم تشريد شعب فلسطين.
على هذا الأساس فلا مجال اليوم للبحث عما تسبب ومَن تسبب بحرب الإبادة الأخيرة، فالاعتداء بالأساس هو وجود إسرائيل وكل ما تلا ذلك فهو تفاصيل. لذلك فمن الإجحاف وضع اللوم على "حماس" أو على الشعب الفلسطيني، ولكن منطق القتال بدم الأطفال والنساء، وحتى الشبان المناضلين، من دون أفق واقعي غير الشعارات الجامدة والتسويغات الماورائية هو تفريط واستهتار بكل منطق، والأهم هدر لحيوات أناس كان من الممكن أن يخدموا القضية لو أعطيت لهم الفرصة ليعيشوا يوماً آخر.
الواقع هو أننا في عالمنا الثالث، الغارق في الخرافات والشعارات الفارغة، بقيت ثقافة استهوان الموت والتسلّق على الجراح هي السائدة في سبيل الوصول الى السلطة.
واستمرت معها الشعارات التي تنتهك حق الإنسان بالحياة. هذه الشعارات استخدمت في أكثر من بلد عربي بإسم القومية والدين والعقائد لخدمة السلطة وبقي الضحية الدائمة هو الإنسان العربي.
في النهاية، بقي عالمنا يخوض حروبه بنفس منطق العالم القديم وهو في قدرته على حشد أكبر عدد من الأفراد المستعدين للتخلي عن حقهم في الحياة طوعاً، أو لسلبهم حقهم بالحياة قسراً بعد سلبهم حتى حقهم بالإحتجاج. كل ذلك في سبيل أن يقوم أحدهم من مكتب محصن أو بعيد عن أرض المجزرة برفع إصبعه وتقطيب حاجبيه ليرفض أو يقبل استمرار حمام الدم، او ليسوغ الجزار لنفسه استمراره في المجزرة. المهم الآن على الأقل أن نتعلم من التجربة ولا نخرج بعدها لنكيل الاتهامات الى بعضنا لعجزنا عن معالجة تداعيات ما بعد العدوان بدل العمل على إيجاد أسباب الوحدة وصون القرار الوطني المستقل إن بقي منه شيء.
"وصاعداً نحو التئام الحلم
تنكمش المقاعد تحت أشجاري وظلك
يختفي المتسلقون على جراحي كالذباب الموسمي".