الدعوة إلى القمم المتبادلة أحد أشكال توظيف قضية فلسطين في الخلافات العربية
ليس ثمة قضية أكثر سُمواً ولا عدالةً من قضية فلسطين. هي قضية شعب اختاره الله ليحيا في أرض الرسالات السماوية، ويتلظّى بشر الصراعات البشرية، ويُشرّد من أرضه إلى المنافي والمهاجر، ويعاني من أبشع أنواع الإجرام والقهر، ويتحمل زيادةً على البؤس الذي يعيشه ظلمَ المتاجرين بقضيته، ممن لم تمنعهم أخلاقهم في أن يستعملوا المأساة وسيلة لتدعيم حكمهم الظالم أو صراعاتهم القذرة. علاقة الأنظمة العربية بالقضية الفلسطينية لا تختلف اليوم عنها في الأمس، وقراءة التاريخ تنبئ بأن الأنظمة الأكثر "حماسة" لفلسطين كانت الأكثر متاجرة بها!.
دول الزعامة العربية أكثر من استخدم المنظمات الفلسطينية
الصراع على الزعامة العربية لم يخلُ من استخدام قضية العرب المركزية، فلسطين. الرئيس جمال عبد الناصر لم يتحوّل إلى زعيم للعرب إلا بالشعارات القومية، وعلى رأسها تحرير فلسطين، ومع ذلك فقد أراد عبد الناصر أن يكون مشروع التحرر الفلسطيني تحت إشرافه، ولخدمة مصالحه، وهكذا تحوّل أوائل "القوميين العرب" من الفلسطينيين، إلى صراعات عربية لا علاقة مباشرة لها بقضيتهم، من مواجهة مشروع أيزنهاور وحلف بغداد في لبنان، إلى دعم عبد الناصر في صراعه في اليمن. ولما بدأت جهود مدنية لإنشاء حركة تحرر فلسطينية بقيادة ياسر عرفات بعيداً عن كنف مصر ـ عبد الناصر، خُنقت الحركة حتى اضطرت للهجرة من مصر إلى الكويت. ثم وصل الأمر إلى حد اتهامها بالعلاقة بالمخابرات الأميركية عندما أطلقت العمل المسلح، لكن "فتح" نفسها صار مرحباً بها في مصر بعد عدة أعوم، عندما تردّت علاقة النظام المصري بـ"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" التي انتقلت إلى الحضن السوري!.
أما سوريا التي لم يرُق لها أن تتصدر مصر القضية الفلسطينية فقد سعت إلى "تفريخ" تنظيمات فلسطينية تابعة لها، فكانت "منظمة الصاعقة"، و"الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة"، و"الجبهة الديمقراطية"، و"فتح ـ الانتفاضة"… ولم يخلُ الأمر من اقتتال واغتيالات متبادلة بين "فتح" ومعارضيها، حتى أثناء ابتعاد "فتح" عن مصر بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد.
ولم يكن عراق ـ صدام حسين أفضل حالاً، فأسس "الجبهة العربية لتحرير فلسطين" كذراع لحزب "البعث" العراقي لكن تحت عنوان فلسطيني، كما دعم صبري البنا ـ أبو نضال ـ لينشق عن "فتح" ويؤسس "المجلس الثوري" الذي اغتال عشرات الشخصيات الفلسطينية الوطنية وقدّم الحجة لـ "إسرائيل" كي تجتاح لبنان عام 1982، ووصل أمر المتاجرة بالقضية الفلسطينية إلى حد أن صدام حسين، ولأهداف شعبوية، اشترط لانسحابه من الكويت أن تنسحب "إسرائيل" من الأراضي المحتلة عام 1967، وكأن الاحتلال الإسرائيلي لأرض عربية يبرر احتلال العرب لأرض بعضهم بعضاً!.
… وأكثرهم "حماسة"، أكثرهم إضراراً
غير أن النظام السوري الذي أصلّ طغيانه في سوريا على أساس ضرورات الانتصار للقضية الفلسطينية كان الأكثر استماتة في تطويع منظمات التحرر الفلسطيني، فهو زايد على الأردن في صراعه مع المنظمات الفلسطينية غير المنضبطة في أرضه عام 1970، لكنه رفض بالمقابل أي تواجد عسكري للمقاومة الفلسطينية في سوريا، ودفعها عنه إلى حديقته الخلفية لبنان، الأمر الذي كان أحد أسباب الحرب الأهلية اللبنانية، ما سهّل تالياً دخول الجيش السوري إليه عام 1976، تحت عنوان حماية المسيحيين، فضربت المقاومة الفلسطينية بأيدٍ سورية عندما اقتضت مصلحة النظام السوري ذلك، وارتُكبت تحت بصر هذا النظام مجازر بحق الفلسطينيين في تل الزعتر وجسر الباشا عندما كانت حساباته السياسية تقتضي ذلك، ودفع بحلفائه في لبنان لحصار المخيمات الفلسطينية وذبح أهلها بين العامين 1984ـ 1988 رداً على اتفاق عمان آنذاك عندما اقتضى الانتقام من الأردن وعرفات ذلك… وصولاً إلى ضرب المقاومة الفلسطينية في البقاع لصالح الأحزاب السورية المسماة فلسطينية، ثم تدمير مدينة طرابلس وارتكاب المجازر بأهلها، لاحتضانها ياسر عرفات، الذي دخل إليها سراً عام 1983، ولم يتوقّف العدوان على طرابلس إلا بعد أن غادر ياسر عرفات عاصمة الشمال مع مقاتليه عبر البحر، تماماً كما فعل العدو الإسرائيلي عند حصاره بيروت عام 1982!.
كيف يتاجر "الممانعون" اليوم بالقضية الفلسطينية؟
ثمة كلام كثير اليوم عن الدول المتآمرة على القضية الفلسطينية، والحقيقة أن كل الدول العربية تعاني حالة عجز غير مبرر ومعيب تجاه "إسرائيل"، غير أن النظام السوري دون غيره هو الذي يجيّش جماهيره لشتم الأنظمة الأخرى دون أن يكون "أشجع" منهم في فتح جبهته المقفلة، كما أنه كغيره من الأنظمة العربية يرفض أي تواجد عسكري لمنظمات التحرر الفلسطيني، إلا أنه وحده الذي يرعى جيوشاً صغيرة تابعة له في لبنان بدعوى أنها مقاومة فلسطينية!. هذا النظام هو المتحمس حالياً لضم لبنان إلى طاولة مفاوضاته القادمة مع "إسرائيل" عندما تصبح مباشرة. وهذا النظام وحده اليوم "يستضيف" مكاتب للمنظمات الفلسطينية على أرضه لتكون ورقة يفاوض عليها مع "إسرائيل"، كما يستشف من الرسالة التي بعث بها الأسد إلى "الإسرائيليين" عبر الأتراك في السادس عشر من الشهر الماضي، مرفقة بخريطة الانسحاب الذي يريده من الجولان.
وفوق ذلك كله، فإن النظام السوري موافق على المبادرة العربية، أي حل الدولتين، ورده على الإهانة الإسرائيلية المتكررة للسيادة الوطنية السورية مؤجل إلى الوقت المناسب دائماً، والرئيس بشار الأسد في مقابلته مع هيئة الإذاعة البريطانية المنشورة أمس يقول" إن تهريب السلاح للفلسطينيين في غزة من مصر يتعين وقفه … وإن سوريا مع هدنة دائمة في غزة، وإنها تعمل مع الفرنسيين على ذلك…". بمعنى آخر، لقد ذهب بشار الأسد إلى أبعد مما ذهب "المعتدلون"، مع فارق أنه يخوِّن ولا يخوَّن، لاضطرار المقاومة الفلسطينية أن تكون مكاتبها في دمشق، مع أن مؤدى كلام الأسد أنه يفاوض عليهم، لكنه كالعادة يدفع من كيس غيره، تماماً كما فعل في علاقته بالفرنسيين بخصوص لبنان!.
أما قطر "الممانِعة" ، فإنها ترعى الحملات الإعلامية لقطع العلاقات بالدول العربية ـ وهو مطلب محق إزاء ما يجري في غزة على اعتبار أن فنزويلا أو بوليفيا ليستا أكثر حرصاً على الدم العربي، لكن الواقع أن قطر تقوم باللعبة نفسها، فتتلاعب بالرأي العام العربي، ولا تضرب المثل الصالح، فتُقفل المكتب التجاري الإسرائيلي فوق أرضها، وتتوقف عن استقبال القادة الصهاينة المجرمين، وتطلب خروج القوات الأميركية الداعمة دوماً لـ"إسرائيل" من أرضها… حتى تحظى دعواتها بالمصداقية المقنعة.
إلى أين يقود سباق القمم؟!
وسط هذه الصراعات يأتي السباق على عقد قمم عربية، على أساس حسابات خاصة بكل فريق، وعلى أساس توظيف قضية فلسطين في الصراعات والمزايدات، خلافاً لما تريده الشعوب العربية المحبطة من زعاماتها العاجزة أو المزايدة أو المتاجرة بدماء الفلسطينيين.
بطبيعة الحال فإن عقد قمة عربية منتجة أمر مطلوب، وكان يجب أن يحصل خلال الأيام، بل الساعات الأولى للعدوان، إلا أن التسابق على عقد قمم بهذا الشكل ليس دليل نخوة دبت في القادة العرب فجأة، وإنما دليل مزايدة تريد من خلالها كل دولة أن تبدو في موقع الدفاع عن الفلسطينيين، ولو كانت القمة بمن حضر!.
الواقع أن زحمة القمم هذه ستؤدي إلى المزيد من التشرذم العربي، وتكريس المحاور العربية، وإلى مزيد من انهيار النظام العربي الرسمي، واختراقه من قبل المشروع الإيراني، وإلى سيادة لغة المزايدات المؤدية إلى النكبات، بدلاً من التضامن الذي يمكّن العرب من التهديد بسحب المبادرة العربية أو سحبها فعلاً ومواجهة "إسرائيل" والعالم بموقف موحد، وأخيراً وليس آخراً، فإنها ستؤدي إلى مزيد من الدم الفلسطيني فوق غزة، أرض البطولة والعزة.
في العام 1982 قُصفت بيروت بنار الحقد الإسرائيلي، وحوصرت المقاومة الفلسطينية فيها. كانت عروس العواصم العربية تحترق وتنزف دماً ودماراً، وقد قُتل وجرح من أبنائها والمقاومين عشرات الآلاف… لكن العرب لم يحرّكوا ساكناً. أهل بيروت والمقاومون انتظروا خمسة وسبعين يوماً جيوش العرب الجرارة، فلا الجيوش الممانعة أتت، ولا المعتدلة أنجدت… ظل العرب غارقين بخلافات وكلام فارغ. العاجزون يلومون المقاومة الفلسطينية على أخطائها، و"المقاومون" بقيادة معمر القذافي حينها "ينصحون" المقاومة بـ"الانتحار لا الاستسلام". وهكذا بقيت أطهر قضايا العرب مستباحة لاغتصاب العدو، ولمتاجرة الشقيق، ولسوء التقدير، ولكثير من التخاذل … ما أشبه اليوم بالبارحة!.