#adsense

نتائج الحرب على غزة ترسم خريطة جديدة للمنطقة

حجم الخط

إسرائيل توقف النار بعد تحقيق أهداف عدوانها
نتائج الحرب على غزة ترسم خريطة جديدة للمنطقة

يرى ديبلوماسي اوروبي في العدوان الاسرائيلي على غزة ان الدولة العبرية تخوض من خلال هذا العدوان، معركة حياة او موت ومعركة مصير لوجودها وكيانها، لأنها اذا خسرت هذه المعركة امام تنظيمات مسلحة لا تشكل شيئاً من القوة بالمقارنة مع الجيش الاسرائيلي، وفي بقعة ضيقة من الارض محاصرة بحراً وجواً وبراً ووسط انقسام عربي وانقسام فلسطيني ودولي وبعد حرب تموز في لبنان التي لم تستطع تحقيق اهدافها، وهي القضاء على "حزب الله" وبنيته التحتية، فان اسرائيل اذا ما خسرت حرباً جديدة اقل حجماً منها في غزة، وفي ظل كل الظروف المحلية والعربية والدولية المواتية لها، تصبح معرضة للاخطار الآتية:

أولاً: لا تعود اسرائيل القوة الضاربة في المنطقة التي تعتمد عليها الولايات المتحدة الاميركية في مواجهة خصومها.

ثانياً: لا يعود لجيشها المدجج بالاسلحة المتطورة اي قيمة وهيبة، ولا يعود لحرب الجيوش النظامية اي دور في المواجهة بل يصبح للمقاومة الشعبية المسلحة القيمة الكبرى والدور الفاعل، بعدما اثبتت مثل هذه المقاومة وجودها في فيتنام ضد الجيش الفرنسي ثم ضد الجيش الاميركي، وفي افغانستان حيث اثبتت وجودها ضد الجيش السوفياتي وحالياً ضد قوات "الناتو"، وفي الجزائر حيث استطاعت المقاومة الجزائرية بتضحياتها الجسيمة انزال هزيمة بالقوات الفرنسية، وارغمتها على الخروج منها والاعتراف باستقلال الجزائر، وفي العراق حيث غرق الجيش الاميركي المسلح افضل تسليح، في وحول معركة استنزاف مستمرة من سنوات مع المقاومة الشعبية المتعددة الهوية والمذهب. واثبتت المقاومة اللبنانية من خلال "حزب الله" قدرتها على مواجهة القوات الاسرائيلية في معركة تحرير ارض الجنوب تنفيذاً للقرار425 فاضطرتها الى الانسحاب منها لتفادي الخسائر البشرية، وان ضئيلة لأنها لا تستطيع تحملها. ثم في حرب تموز 2006 التي حال صمود المقاومة دون تمكين اسرائيل من تحقيق اهدافها وهي القضاء على "حزب الله" وعلى بنيته التحتية لتفرض الأمن والأمان على حدودها مع لبنان.

ثالثاً: ان نجاح المقاومة المسلحة في لبنان وفي فلسطين، يشجع على تشكيل مقاومة شعبية مسلحة في كل دولة عربية كوسيلة وحيدة لاستعادة حقوق الشعب الفلسطيني وتحرير الاراضي المحتلة وفرض السلام العادل والشامل، لا بل ان في استطاعة هذه المقاومة العربية الشاملة ان تعرض مصير اسرائيل ذاته للخطر، وان تصبح المعركة معها معركة مصير ووجود ولا تعود معركة الوصول الى سلام شامل وعادل، ولا الاكتفاء باقامة دولة فلسطينية بل تصبح الدولة العبرية الحالية هي الدولة الواحدة التي تضم الشعبين اليهودي والفلسطيني، بحيث يتم الاتفاق على صيغة حكم تتوزع فيها المناصب العليا بينهما كما هي الحال في لبنان لجهة توزع هذه المناصب بين المسيحيين والمسلمين من دون الأخذ بالعدد بل بضرورة تأمين المشاركة الوطنية في السلطة كي تتخذ القرارات المهمة من خلال هذه المشاركة.

رابعاً: لا يعود في استطاعة اسرائيل ان تطلب مهاجمة ايران لضرب منشآتها النووية، كما حاولت من قبل لأن من يعجز عن تحقيق اهدافه في مواجهة مع مقاومة فلسطينية مسلحة، لن يكون في استطاعته مهاجمة ايران وغير ايران، عندما تكون المواجهة ليس مع جيوش نظامية فحسب بل مع مقاومة لها دور آخر فاعل الى جانب هذه الجيوش.

لهذه الاسباب وغيرها تجد اسرائيل نفسها في حاجة الى كسب الحرب على "حماس" مهما كلفت لأن الكيان الاسرائيلي لا يستطيع تحمل خسارة جديدة بعد خسارة حرب تموز في لبنان، لأنه سيكون لهذه الخسارة عواقب وتداعيات على الوضع في المنطقة كلها. فالانظمة المعتدلة فيها تصبح معرضة للخطر، وتتقدم عليها الانظمة المتطرفة والممانعة، وتصبح الحركات الأصولية هي السائدة، ولا تبقى اخطارها مقتصرة على دول منطقة الشرق الاوسط بل قد تمتد الى دول الغرب.

لذلك يرى الديبلوماسي نفسه، ان لنتائج حرب غزة تداعيات اياً يكن المنتصر فيها. فاما تربح اسرائيل هذه الحرب ليس على تنظيمات فلسطينية مسلحة وعلى رأسها "حماس"، بل بين مشروعين: مشروع ثوري يريد القضاء على اسرائيل واقامة انظمة اصولية متطرفة لشرق اوسط اسلامي جديد، ومشروع يقيم انظمة ديموقراطية معتدلة لشرق اوسط آخر ينعم بالأمن والاستقرار والازدهار، وتكون اسرائيل بعد تحقيق السلام العادل والشامل معها، دولة من هذه الدول.

ولأن حرب غزة هي في حقيقتها، حرب بين هذين المشروعين، انقسم العرب والفلسطينيون ودول الغرب والشرق حولها لأنها قد تكون حرباً مفصلية وحاسمة، واذا لم تكن كذلك، فانها تصبح مؤجلة الى وقت آخر، وتعود المنطقة لتدخل من جديد في مرحلة الانتظار والترقب من خلال التوصل الى هدنة مفتوحة على كل الاحتمالات، ومن خلال تجربة العمل الديبلوماسي الذي من المتوقع ان تقوده الادارة الاميركية الجديدة في عهد الرئيس اوباما، علها تنجح في ان تحقق بالوسائل السلمية ما لم تنجح الادارة السابقة في تحقيقه بالوسائل العسكرية.

وفي انتظار معرفة ما تحقق من اهداف حرب اسرائيل على غزة، وما سوف يعقب وقف النار من اتفاقات وتفاهمات، يمكن عندئذ رسم خريطة طريق جديدة للمنطقة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل