قمة الدوحة الناقصة
…. على بعد عشرات الامتار من المكتب الاسرائيلي في الدوحة ظهر ان محوراً إقليمياً يتصدره الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد قد تبلورت صيغته النهائية، وكان الرئيس اللبناني ميشال سليمان خارج هذا الأمر عندما رد على المزايدات، مؤكداً ان مبادرة السلام العربية هي الطريق الوحيد المتاح لاستعادة الحقوق، لافتاً الى أن الهدف من اجتماع الدوحة ليس تشكيل محاور، وليس لتقسيم العرب، لأن المطلوب هو توحيدهم، وهذا موقف بدا أمام الجميع بأنه الوحيد الذي وضع إصبعه على الجرح، بينما كان كل المجتمعين يغردون خارج السرب.
وفي الكويت، كان وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل، عقب اجتماع وزراء الخارجية العرب وإصدار توصيات مهمة للغاية، قد اتخذ مواقف كبرى لها مفاعيلها المهمة للغاية، وقد عبر عن مواقف مسؤولة وحكيمة تصب في مصلحة وضع حد للحرب العدوانية ضد غزة وأهلها، وترسم خطة مسؤولة لإعادة بناء ما دمرته الحرب، ومد أهالي غزة بكل ما يحتاجونه من غذاء ودواء، ولقد كان الوزير السعودي هادئاً وحكيماً في مقابل التشنجات والانفعالات والمزايدات التي ظهرت في الدوحة من مسؤولين يفترض بهم أن يكونوا أكثر مسؤولية في مواجهة ما يجري.
قد يكون الهدف الحقيقي من القمة التشاورية في الدوحة امتصاص نقمة الشارع الذي يطالب القادة باتخاذ قرارات لإنهاء الوضع المأسوي في غزة، والعاطفة هنا لها دورها الابرز، وهي تلقائياً مع الشعب المظلوم والمنكوب في فلسطين، ولكن في الوقت عينه فان المسألة لا تعالج بقرارات إدانة، أو قطع علاقات، إذ ماذا يهم العدو الاسرائيلي اذا أعلنت قطر تجميد العلاقات معه، أو أعلنت موريتانيا العظمى ذلك، علماً ان علينا قراءة الكلمة جيداً "تجميد علاقات" وليس قطعها.
نحن بحاجة الى الصراحة، فإذا كنا نريد فعلاً محاربة اسرائيل فلماذا لا يتفق كل العرب على هذا التوجه، تماماً كما حصل اثناء حرب تشرين عام 1973، اما ان نحارب بالشعارات الفارغة من أي مضامين، وهي شعارات غير قابلة للتنفيذ، فهذا موضوع آخر لا يخدم القضية لا من قريب ولا من بعيد.
قطر على سبيل المثال لا الحصر تقول انها قررت إقفال المكتب التجاري الاسرائيلي في الدوحة، ولكن السؤال هو ماذا عن المنزل الفخم لأميرها في تل ابيب؟ وماذا عن فيلا رئيس الوزراء القطري في نتانيا؟ بل الأكثر من ذلك، ماذا عن المصالح والاستثمارات الاقتصادية المتبادلة بين قطر وإسرائيل؟ وأيضاً، فإن رئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم أبدى عتباً شديداً على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (ابو مازن)، لانه لم يلب الدعوة، وأبلغه انه على استعداد للتحدّث مع الحكومة الاسرائيلية لتسهيل اخذ تصريح له هو بمثابة إذن خروج من الضفة الغربية للسفر الى الدوحة.
عجيب هذا الأمر، والسؤال، إذا كانت العلاقة بين رئيسي الوزراء القطري والاسرائيلي على هذا المستوى فلماذا لا يقوم المذكور باستثمار هذه العلاقة الجيدة لوقف اطلاق النار في غزة وفتح المعابر؟!
اما المشهد الكاريكاتيري فقد تمثل بوجود الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد بين القادة المجتمعين في الدوحة، داعياً الى شن الحرب على اسرائيل، في وقت يمنع المجاهدين من مساعدة أهل غزة، والذهاب للدفاع عنهم، ونتذكر هنا إعلان رئيس الحرس الثوري الايراني ان المقاومة في غزة ليست بحاجة الى سلاح، ويكفيها القنابل والصواريخ اليدوية الصنع!
والأنكى من ذلك الذي يستجدي تركيا للاستمرار في وساطتها مع اسرائيل كي تستمر في المفاوضات، ويدعو بعض الدول الى قطع علاقاتها مع اسرائيل، وكذلك دعا الى تجميد مبادرة السلام العربية التي تبنتها قمة بيروت عام 2002، وكان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز قد وضع بنودها، وهي المبادرة الوحيدة التي تقوم على مبدأ استعادة الاراضي المحتلة مقابل السلام، فهل يا ترى بمثل هذه الطروحات، من إلغاء مبادرة حشرت اسرائيل وفضحتها أمام العالم نريد تقديم خدمة مجانية لإسرائيل بنسفها؟!
وفي المقارنة، اثناء انعقاد قمة الدوحة الناقصة كان وزراء الخارجية العرب مجتمعين في الكويت، وأصدروا توصيات في إطار برنامج عمل مكوّن من:
> أولاً – الالتزام بإعادة بناء وإعمار قطاع غزة والاراضي الفلسطينية وتوفير الدعم.
> ثانياً – توفير المال اللازم لهذا الغرض الذي يتجاوز ملياري دولار بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية وفقاً للآليات العربية والدولية المعتمدة للشعب الفلسطيني.
> ثالثاً – دعا الوزراء المجتمع الدولي الى تحمّل مسؤولياته والإسهام بفاعلية في تمويل عمليات إعادة بناء وإعمار ما دمره "العدوان الاسرائيلي" بما في ذلك تعويض المواطنين عن الخسائر التي لحقت بهم وبأملاكهم بالتنسيق مع السلطة.
> رابعاً – أكد القرار الذي تم رفعه الى القمة الاقتصادية ما نصه ان "القمة المنعقدة في الكويت الشقيق، وهي تتابع بكل استنكار واستهجان العدوان المستمر على الشعب الفلسطيني الأعزل قد راعها حجم العدوان والسلاح المستخدم بمختلف أصنافه بما في ذلك المحرم دولياً.
> خامساً – "الدعوة الى الوقف الفوري للعدوان الاسرائيلي وانسحاب قوات الاحتلال فوراً من قطاع غزة وفتح جميع المعابر، وإنهاء الحصار المفروض على القطاع وفقاً للآلية المقترحة في المبادرة المصرية، والتي تشكل الارضية المناسبة لتنفيذ قرار مجلس الامن 1860". وجاءت تلك القرارات بناء على "هول وحجم الخسائر والدمار الذي لحق بالشعب الفلسطيني في قطاع غزة وسائر الاراضي المحتلة".
> سادساً – تحميل "حكومة اسرائيل، باعتبارها سلطة احتلال، المسؤولية عن كافة جرائمها وانتهاكاتها للقانون الدولي وحقوق الانسان، ومطالبة مؤسسات الامم المتحدة ذات الصلة بجرائم الحرب والقانون الدولي والانساني بالتحقيق في كافة هذه الانتهاكات والجرائم، وملاحقة وتقديم المسؤولين عنها للمحاكم الدولية".
أخيراً، بالله عليكم ارحموا أهل غزة، وليس من حق أحد ان يطلب منهم الانتحار.