#adsense

إنقاذ غزة من دون توريط لبنان والدول العربية

حجم الخط

إنقاذ غزة من دون توريط لبنان والدول العربية

ختمت الحرب الشرسة وغير المتكافئة، الدائرة على ارض غزة منذ 27 كانون الاول 2008، بين الجيش النظامي الاسرائيلي و"حماس" اسبوعها الثالث، مترافقة بخسائر انسانية ومادية رهيبة لدى الجانب الفلسطيني، من دون ان يرى النور أي حل جذري للمأساة المتعددة الوجوه، على مستوى الفريقين المتنازعين ومستويات القوى العربية والدولية المعنية بالامر.

ومضى على قرار مجلس الامن الدولي الرقم 1860، الذي ركز على عموميات، اهمها المطالبة بوقف اطلاق النار وانسحاب الجيش الاسرائيلي في القطاع، 8 أيام، ولم تتوقف الحرب، بل اتخذت شكلاً تصاعدياً: أصرت اسرائيل على استكمال عمليتها الامنية من أجل وقف ارسال "حماس" لصواريخها في اتجاه الاراضي الاسرائيلية، وطالبت "حماس" بانسحاب غير مشروط للجيش الاسرائيلي من غزة. حوار طرشان غير مجد، اذ لم تعالج مباشرة الاسباب التي ادت الى تلك الحرب، والموقف العربي العام يندرج، في هذا الاطار، لا سيما موقف الدول الفاعلة، لا سيما مصر، التي ترفض عقد قمة عربية، تعتبرها غير مؤهلة لايجاد الحل المرغوب، نظراً للانقسامات الحادة حول طريقة معالجة الموضوع.

لكن القاهرة لعبت دوراً محورياً في الايام الاخيرة، لدى استقبالها الرئيس الفلسطيني محمود عباس وممثلين عن "حماس"، ودخلت على خط تقريب وجهات النظر تركيا، فيما تلتزم دمشق، التي تترأس القمة العربية حالياً ما يشبه الصمت المحرج، لأن بعض قيادات الرفض والممانعة، من "حماس" الى "الجهاد الاسلامي" موجودة في اراضيها، مدعومة بسياسة الممانعة الايرانية "المطلقة".

الهموم اللبنانية

تضامن لبنان الرسمي والشعبي مع مأساة غزة، من خلال بيانات التنديد بالعدوان الاسرائيلي، وقيام بعض التظاهرات والاعتصامات الجوالة، كما حصل في العواصم العربية وغير العربية.

فعل لبنان كل ذلك، من دون ان يغفل خطورة امكانية الانزلاق نحو الحالة الغزاوية الراهنة، التي كانت حرب تموز 2006 نموذجاً لها من خلال بعض المعطيات المشابهة.

مرّ قطوع 8 الجاري، حيث اطلقت ثلاثة صواريخ، من الجنوب اللبناني، الى شمال اسرائيل، في موازاة الصواريخ الاخرى التي اكتشفت في نطاق عمل القوات الدولية قبل هذا التاريخ وبعده، من دون اكتشاف الجهات التي اطلقت الصواريخ او اكتنزتها: "حزب الله" ام منظمات فلسطينية او طرف ثالث.
وقف لبنان الرسمي، في شبه اجماع، ولو نظري ربما، بطريقة حازمة ضد جعل لبنان منصة لاطلاق الصواريخ من لبنان ضد اسرائيل، لكنه يأبى حتى الآن معالجة امر السلاح غير الشرعي الموجود على الاراضي اللبنانية، لا سيما في الجنوب.

سلاح "حزب الله" يبقى المشكلة الاساسية، مع سلاح المنظمات الفلسطينية داخل المخيمات وخارجها، مع العلم ان السلاح الموجود خارج المخيمات، لا سيما في الناعمة والبقاع هو سلاح سوري بامتياز، لكون المنظمة الاساسية المعنية بالامر هي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة، التي تخضع للمشيئة والتعليمات السورية.

والمطلوب هنا هو قرار من الحكومة اللبنانية، قرار تنفيذي يؤدي الى تنفيذ القرار الذي كانت وافقت عليه مبدئياً طاولة حوار ربيع 2006، من دون أي لف ودوران وتأجيل.

وتنفيذ هذا القرار يحصل سلمياً بالطلب من دمشق سحب هذه القوات من لبنان، بمبادرة منها.
إذا كان اللبنانيون حريصين فعلاً على امنهم وامن بلدهم، فهم مدعوون جميعاً، من دون اي استثناء لأخذ العبر من السلاح غير الشرعي، الذي دفعنا فاتورتها الباهظة على مدى أربعين سنة.

كانت البداية مع السلاح الفلسطيني، الذي حوّل المخيمات الى معسكرات. ونذكر هنا بالكلام الواضح الذي نطق به يوماً رئيس السلطة الفلسطينية، ياسر عرفات، رحمه الله، من رام الله: "حكمت لبنان عشرين سنة" وهو يدل، بالاضافة الى معطيات أخرى، على ان القيادة الفلسطينية السابقة لعبت دوراً اساسياً في حرب 1975… وان هذه الحرب لم تكن في الاساس حرباً اهلية في لبنان، وان تداخل فيها العنصر اللبناني الداخلي.

رحل الطقم القيادي الفلسطيني القديم، وحل محل رئاسته الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي سلك ويسلك طريق التفاوض مع اسرائيل.
والسلاح الآخر، سلاح "حزب الله"، الذي قال فيه يوماً امينه العام حسن نصرالله، اننا "عالقين" في نبرة تحد، يبقى الهاجس الاهم بل المهدد لأمن وسلام لبنان، بعد حرب تموز 2006 وعملية 7 أيار 2008.
ورغم كل ما جرى في لبنان ومحيطه وفي غزة ايضاً، يبقى "حزب الله" مصراً على استمرار وتفعيل مقاومته الاحادية في لبنان، مداها العالم الاسلامي بل الكون بأسره!

مشكلته الاساسية مع نفسه ومع لبنان تحديداً، وهذا ما يهمنا في الدرجة الاولى، هو تهربه الدائم من قراءة الحدث وتقييمه الموضوعي، بل تجاهل الحدث كلياً.

تجلى هذا الامر مرة اخرى في ما نطق به امينه العام حسن نصرالله في السابع من الجاري وما قاله نائب الامين العام نعيم قاسم في 11 منه.
أكد الاول ان ما حدث في تموز 2006 وما يحدث الآن في غزة يعبران عن ماهية الاستراتيجية الدفاعية الصحيحة، فيما دلت وتدل وقائع الحربين المشار اليهما استراتيجية هجومية استدراجية لردود فعل اسرائيلية ادت عملياً الى كوارث لبنانية وفلسطينية في لبنان وغزة.

فيما ألقى علينا نعيم قاسم دروساً طوباوية حول مقاومة لا حدود جغرافية ومنطقية لها بقوله:
ـ "يجب ان تكون المقاومة اقوى مما هي عليه مرات ومرات".
ـ "ان يسعى الشعب اللبناني… لأن يكون لبنان عصياً بالكامل على اسرائيل" أي انه ينتحل صفة كل لبنان ويحتكر مواجهة اسرائيل.
ـ "نحن لا نقبل ان نكون أزلاماً عند اسرائيل واميركا". من طلب منه ذلك ومن هم الازلام الذين يتحدث عنهم؟ معادلة مركبة لتغطية الوصاية السورية الايرانية.
ـ "نحن مع المقاومة مرفوعي الرأس، نستطيع ان نعمل في بلداننا ما نريد ـ رجل في حزب ـ وحزب من بين ما يقارب ثلاثين حزباً في لبنان على الاقل، يواجهان بلدان العالم وينفردان في فعل ما يريدان.
ـ يتهم اميركا بأنها "ترعى اليوم الارهاب الدولي المعظم".

تموجات السياسة الأميركية

يربط "حزب الله" على الدوام بين حملته على اسرائيل بحملة موازية على الولايات المتحدة. وجهة نظر نحترمها ولا نعلق عليها.
في المقابل، نعلم جيداً ان اميركا وسواها من الدول الكبرى لها استراتيجيات ترعى مصالحها وهذه السياسات متحركة.
واي سياسة دولية ينظر اليها في حينه كل بلد في العالم من زاوية مصلحته الخاصة، رفضاً او ايجاباً حسب الظروف.

ان تكون واشنطن داعمة دائماً لوجود اسرائيل، هو موقف اعتمدته دول مجلس الأمن الكبرى مجتمعة منذ ولادة دولة اسرائيل في 14 ايار 1948.
من ناحية اخرى، الولايات المتحدة الأميركية هي الدولة الوحيدة القادرة على التأثير على اسرائيل، لدى البحث عن السلام في الشرق الأوسط. لا الدول الغربية الأخرى ولا الاتحاد السوفياتي ـ الاتحاد الروسي اليوم قادرون على ذلك.

وبرهنت اميركا عن قدرتها هذه اثر الهجوم الفرنسي البريطاني ـ الاسرائيلي على مصر العام 1956. تدخل الرئيس الاميركي ايزينهاور حينذاك فوراً: توقف الهجوم الثلاثي على مصر وانسحبت اسرائيل من صحراء سيناء التي كانت قد احتلتها.

انطلاقاً من ذلك التاريخ، قالت الادارة الاميركية للغرب الأوروبي منذ الان فصاعداً الكلمة الفاصلة اصبحت في يدي.
فهمت لاحقاً مصر، في عهد الرئيس انور السادات، ذلك. وبالرهان على الضغط الأميركي، تمكنت بعد حرب 1973 من استعادة اراضيها المحتلة.
بالنسبة الى لبنان، كانت السياسة الاميركية بدءاً من العام 1974 حتى العام 2003، معادية بشكل بارز للمصلحة اللبنانية العليا: العام 1974، كان السفير الأميركي في بيروت جورج غودلي يتحدث عن مراكب تسفر فئة من اللبنانيين الى خارج بلدهم. العام 1976 اتى دين براون الى بيروت كي يثبط همم اللبنانيين المناضلين من اجل استقلال بلدهم. وعلى مدى الحرب اللبنانية كانت اميركا واسرائيل معاً ترعى الوصاية السورية على لبنان.
ولم تتغير الصورة ـ صورة سياسة اميركا اللبنانية الا بعد احداث 11 ايلول 2001.

المهم بالنسبة الى دولة لبنان تحديداً هو ضرورة استغلال الفرص، بحيث تعارض او تتقبل السياسات الخارجية المتحركة، في ضوء مصالحها الحيوية.
وليس من المقبول ان يحاول اي شخص او اي فريق سياسي في لبنان جر بلده الى حروب مع كبار الدول.

انجازات التفاوض

بالتفاوض المباشر مع اسرائيل، تمكنت مصر والأردن وموريتانيا من طي صفحة الحرب مع اسرائيل وان بطرق قامت اعتراضات عليها.
دولة قطر تقيم علاقات تجارية مع اسرائيل، عبر المكتب الاسرائيلي الذي انشئ في الدوحة العام 1996. واستبعد رئيس الحكومة القطرية في الحادي عشر من الجاري اغلاق ذلك المكتب بصورة منفردة. يعني كل ذلك، بنظر الدول العربية القادرة والفاعلة ان لا عودة الى الوراء والى الحروب مع اسرائيل وان السلام لن يحصل الا بالمفاوضات المباشرة او غير المباشرة.

نشاز السياسة الايرانية لم يعد ذا جدوى. لا سلام في الشرق الأوسط بالغاء احد.
غريب هو امر الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد الذي اتهم الحكومة المصرية بالتواطؤ مع اسرائيل في حربها على غزة.
طهران عملت على اشعال الحرائق في لبنان وفلسطين. ولا دور لها في اي حل.

ولبنان لا يحصن حاضره ومستقبله الا بفرض سلطته على كامل اراضيه، كي يمنع حصول اية مغامرة على ارضه.
وبعض الدلال الرسمي المحاذر والرافض حتى الان لأي تفاوض في اسرائيل، لا يمكنه ان يدوم.
كما ان الصواريخ التي تملكها "حماس" ليست السبيل المؤدي الى قيام الدولة الفلسطينية الواحدة المستقلة.
ومن اصول اللعبة الا يتمادى الممانعون الصوريون في الاعيب استدراج اسرائيل للعدوان على غزة ولبنان او اي جهة عربية اخرى.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل