تزاحم القمم وغزّة وسط الحمم
مع تصاعد العدوان الإسرائيلي على غزة والذي دخل أسبوعه الثالث، تتصاعد حدة الخلافات العربية التي ما زالت حتى اللحظة تحول دون الاتفاق ولو بالحد الأدنى على سبل مواجهة "المحرقة المستمرة". ويبدو أن الأمور تتجه أكثر فأكثر، نحو تكريس الانقسام العربي من خلال الإمعان في المضي بالمزايدات والمشاحنات التي تعبر عنها الخلافات الدائرة الآن، بشأن إصرار البعض على الدعوة الى قمة طارئة في الدوحة ورفض البعض الآخر لها، وذلك قبل يومين من موعد القمة الاقتصادية المقرر عقدها في الكويت والتي من الطبيعي والبديهي أن يكون العدوان على غزة في طليعة اهتماماتها.
تساؤلات كثيرة يثيرها الواقع المرير الذي تمر فيه العلاقات العربية العربية لا سيما تحت وطأة المحرقة المستمرة بحق فلسطينيي غزة، تساؤلات لكل الأشقاء الذين لا يمكن أن يستثنى أحد منهم "ممانعين" في شعاراتهم وطروحاتهم كانوا أو "واقعيين"، "متصالحين" مع إسرائيل أو "متصارعين"، تساؤلات موجهة لمن يعتبرون أنفسهم في طليعة الممانعين وهم في الحقيقة إما منخرطين بـ"التفاوض" مع إسرائيل في السر والعلن، وإما في مقدمة ليس المتصالحين وحسب بل المطبّعين جهاراً مع الدولة العبرية في الإعلام والتجارة والمؤتمرات والمعارض على أنواعها.
بالطبع، لا يمكن إعفاء أحد من مسؤولية ما يحصل في غزة والدم المسفوك فيها والأجساد المتفحمة في محارقها، لا القادة الفلسطينيين أنفسهم ولا قادة دول "الممانعة" أو "الاعتدال والواقعية". كذلك لا يمكن لأحد من هؤلاء القادة أو الدول أن يتنصل من مسؤوليته عما حصل ويحصل وما يمكن أن يحدث من تداعيات لهذه الكارثة الإنسانية التي تجري في غزة. وإذا كان من الضروري التركيز على واجب العرب والحث على تحمّل مسؤولياتهم الإنسانية والدينية والقومية إزاء الفظائع المرتكبة وأمام الله وضمائرهم وشعوبهم، فإن حجم الكارثة المأساة يقضي بالإقلاع عن التظليل والمواربة ومحاولة وضع الأمور في نصابها.
في المبدأ، لا شيء يمكن أن يبرر التأخير في انعقاد قمة عربية طارئة في ظل ما يُرتكب من جرائم في غزة. لكن من يراجع ملف العلاقات والانقسامات في مواقف الدول العربية الوازنة يكتشف أن الخلافات في ما بينها لم تبدأ بسبب الهجوم على غزة بل إن هذه الخلافات كانت موجودة أساساً بين الدول العربية "الممانعة" بالخطابات الرنانة والمقاومة بدماء اللبنانيين والفلسطينيين، وبين الدول العربية التي تميل في ظل ما تعتبره غياب الرؤية أو التوافق على استراتيجية للمواجهة والخلل في الموازين العسكرية والسياسية، تميل الى عدم تحبيذ الخيار العنفي وتفضيل الحل على أساس مبدأ "الأرض مقابل السلام". ولقد بلغت هذه الاختلافات ذروتها خلال السنوات الثلاث الأخيرة لا سيما اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج سوريا من لبنان وتعاظم قدرات حزب الله واجتياح حركة حماس لقطاع غزة مدعومة من إيران وسوريا.
من يعود بالذاكرة الى الظروف التي أحاطت بحرب تموز والسجال الحاد الذي دار آنذاك بين قوى "الممانعة"، والدول الداعمة لمبادئ المبادرة العربية "الأرض مقابل السلام"، يدرك بأن هناك الكثير من الظروف والخلفيات والعوامل التي تحكمت بحرب تموز ما زالت حتى اليوم تتحكم بالعدوان على غزة، وأن السجال والانقسام العربي القائم بشأن الموقف من الحرب على غزة ما هو إلا حلقة من حلقات الانقسام والخلاف الذي كان دائراً قبيل حرب تموز وبعدها.
بناء على ما تقدم، من المنطقي أن يشكل ما يجري في غزة مصدر قلق وحرج كبيرين للعرب والمسلمين لا سيما أولئك المزايدين المتفرجين وهم الداعين أصلاً للممانعة والمحرضين على تدمير دولة إسرائيل وإزالتها من الوجود، وكذلك المراهنين على إمكانية التسالم مع عدو مجرم وغاصب مثل إسرائيل.
إن ما يحصل في غزة من كوارث ومآسي لا يمكن أن تتوقف نتائجه عند حدود الحرج الذي قد تشكله المشاهد الفظيعة لدى المعنيين من عرب ومسلمين، فأضعف الايمان هو أن يوقفوا المزايدات والمهاترات تهيباً للدماء المسفوكة والأجساد المتفحمة، ويقلعوا عن استخدام القمم العربية منابر لتسجيل المواقف وتصفية الحسابات، ويتحدثوا مع بعضهم ولو لمرة واحدة بصراحة وشجاعة ومن دون مواربة.
يومان لا أكثر يفصلان موعد القمة العربية المقررة في الكويت عن الموعد المضروب للقمة الطارئة التي تدعو اليها قطر في الدوحة ولم يتوفر إجماع بشأنها. والتساؤل المطروح هو: لو صلحت النوايا وكان الهدف بالفعل نبيلاً من وراء الإصرار على الدعوة الى القمة المستعجلة غير المجمع عليها، أما كان حرياً بالمعنيين بهذه الدعوة أن يفتكروا ولو للحظة ماذا تفيد غزة قمة لا يمكن أن تنتج إلا المزيد من الانقسامات والنكايات؟!