أين المضاد البديل للتحدي الاسرائيلي؟
مع بداية الاجتياح الاسرائيلي لقطاع غزة ماطلت الدبلوماسية الدولية في انقاذ الفلسطينيين بسرعة عاجلة، كأنما أعطيت دوائرها "اشارات"، حمراء لاهداف اسرائيلية محضة وعلى رأسها تنفيذ خطة كاملة لا تقف عند كبح عناصر المقاومة الاسلامية، ولكن قد يراد لها البحث عن واقع جديد يعرقل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة او قد يعيد النظر فيها، ذلك على اعتبار السلطة القائمة الى حد الساعة الراهنة المدعومة عربياً والمشروعة دولياً غدت اشبه ما تكون غير مقنعة للجانب الاسرائيلي وفق النسخة المطلوبة، قصد وقف اطلاق صواريخ "القسام" و"غراد" أو حتى الحد من الاستقواء من خارج سيطرتها على حساب امن المستوطنات. ولذلك يبدو على نحو مطلق بأن رئيس الحكومة المستقيل ايهود أولمرت قد وجد ضالته لاستكمال خطة ارييل شارون بصفته كان اول المعلنين بنسف اتفاق اوسلو عشية فوزه بانتخابات 2001 عبر فرض حصار على مركز القيادة الفلسطينية، ولو ان الادارة الاميركية حينها استدركت الوضع بمبادرة خارطة الطريق. والتشنج الحاصل نجم بعدما هيأت قوى داخلية ظروفاً مشحونة بمغالاتها بانفصامها عن قرار الاجماع الفلسطيني الذي يعد خطوة سابقة منذرة لانكار الاتفاقات المبرمة بين الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني، بما يفسر ان خطة اولمرت ان المفاوضات السلمية لا تتم إلا عبر قيود جديدة على السلطة الفلسطينية في الجوانب الامنية والبحث عن ضمانات حديثة الاصدار من اجل صون قيام الدولة المستقلة بالحد الادنى من الحريات والصلاحيات، هذا في حال لم تطلق رصاصة الرحمة على اعلان قيام الدولة وفق تفاهمات سابقة التي اصبحت ايضاً مقرونة بما تقدمه "حماس" من تنازلات ضامنة ومن التزامات حتمية كي ترغم اسرائيل على اعلان التهدئة الفورية.
وفي هذا الصدد ان اصدار القرار الاممي 1860 تحت الفصل السادس قد اربك الاسرائيليين بسبب الخسارة غير المتوقعة نتيجة الموقف الاميركي النادر غير المؤيد مباشرة في استمرار القوات الاسرائيلية بعمليات الاجتياح، وان كان ايضاً هذا الموقف لا يصب في المصلحة العربية صراحة، لأنه لم يكن جريئاً على غرار الرئيس السابق للولايات المتحدة داويت ايزنهاور ضد الحرب الثلاثية ـ بريطانيا وفرنسا واسرائيل عام 1956 حينما هدد اسرائيل وحليفتيها بوقف اطلاق النار على ضرورة الانسحاب من اراضي سيناء المصرية وإلا ستتدخل الولايات المتحدة لوقف القتال بالقوة. بما يتضح ان الادارة الاميركية الحالية هي أقل حزماً تجاه الحكومة الاسرائيلية بامتناعها عن التصويت، ولو ان الموقف الاميركي هذه المرة خالف استثنائياً الانحياز المطلق والمعتاد عليه في وقائع سابقة، وفي هذا الاتجاه كذلك ان المبادرة المصرية كانت على اطراف القيادات الفلسطينية المعنية تجنب بقدر الامكان اخضاعها للدراسة والمتابعة المطولة حتى لا ينكأ بالجرح النازف ومضاعفة سقوط الضحايا، لا سيما ان الجهة الضالعة في الشرخ الفلسطيني صاحبة المسؤولية بما يتعرض له سكان غزة، وبمغزى اوضح انها ستصبح المعنية أكثر بالشروط الاضافية التي تفرضها اسرائيل لوقف اطلاق النار، علاوة على الضغوط الاملائية التي ستواجهها سلطة محمود عباس لاعادة الترتيبات مع الطرف الاسرائيلي. ومن الجانب الآخر ان تنفيذ الاجندة الخارجية على كاهل قلة التعاون بالمستوى المطلوب مع سلطة شريكة في العمل النضالي هي في الواقع لا تؤدي الى نتائج ترضي الداخل الفلسطيني ولا تخدم الشراكة الدائمة ما دامت الحلول معطلة وآتية من فوق سقف البيت المحلي، بل تفضي الى عواقب عكسية مضرة بالمصلحة العامة والمنجزات المكتسبة.
وإذا تمعنا في القرار 1860 نلحظ انه يفتقر الى آليات تنفيذية، ما ترك المجال الواسع لاسرائيل بهدف الاصرار على تحدي القرار، بما لا يخفي ان وراءه مطالب مركزة على اضعاف المقاومة المسلحة والزام القيادة الفلسطينية باتباع تدابير جديدة طالما لم تجد اسرائيل رادعاً حقيقياً يلجمها عن ارتكاب المجازر الفظيعة، ولذا فإن المضادات الضرورية ينبغي توافرها كي تجبر القوات الاسرائيلية وقف حربها المدمرة ويتوجب اتخاذ اجراءات صارمة لمعاقبتها ولعل اهمها أولاً: الاعتماد على استخدام الاساليب الدبلوماسية القصوى وفي مقدمها الضغط السريع على ادراج القرار 1860 ضمن الفصل السابع، مع ربطه بآليات تنفيذية فورية بواسطة لجان مراقبة دولية او قوات حفظ سلام تكفل وقف الاعمال العدائية ضد المدنيين. ثانياً: محاكمة اسرائيل وفق خطة جارية التحضير داخل الاروقة الاممية التي لا تنتظر سوى الوقت الكافي والمعاملات الضرورية لاستكمال المهمة، بما يقتضي دعم تلك الجهات المهتمة بهذا الشأن الى نهاية المطاف، بالرغم من ان الادعاءات السابقة فشلت في بلوغ مساعيها، مع ان نجاحها في بعض الحالات أثمرت باعلان مذكرات توقيف ضد شخصيات اسرائيلية رفيعة ارادت دخول أراضي دول اجنبية. ثالثاً: تشجيع اية مبادرة والقبول بها على الاقل لدوافع انسانية مبدئياً، ثم العمل على جمع الصف الداخل الفلسطيني بعيداً عن الولاءات والارتباطات الخارجية التي غالباً ما كانت الخنجر الطاعن في تمزيق الجسم الوحدوي الفلسطيني. رابعاً: الواجب على الدول المجاورة للكيان الصهيوني اخذ الحيطة والحذر والتشديد على مراقبة حدودها تحاشياً من اي انزلاقات تستخدمها اسرائيل كحجة لشن حرب واسعة همجية.