#adsense

وداعا يا فينيق الأرز

حجم الخط

وداعا يا فينيق الأرز
ميشال ي. الشماعي

نثر ترابه فوق تراب الوطن فزاده وطنا.

أبى إلا وان يرجع مثقلا بالوزنات… ولو أثقلته الآهات.

فاح من مؤلّفاته بخور من جذوع الأرز… فتعطّرت المسكونة بأسرها.

شرب نخب الموت عندما أحيا زنوبيا في جبيل.

وهزّ الكيان فاستفاق من غيبوبته يوم كان ليل الإحتلال مدلهمّا في سواده. وعادت روح صيف 1840 لتدبّ في ما بقي من أرواح فوق وتحت تراب هذا الوطن لتعيد ولو بعد برهة طويلة الـ 10452كلم2.

رجع لزمن الإغريق فأحيا سقراط لكن للفكر الفينيقي الليفنتيني لا للفكر الفلسفي الإغريقيّ.

ويوم اختلفوا عندنا على مصداقيّة الحكم، مثّل دولتهم بدولة يحكمها رعيان في ملوك الطوائف وألبس راعيا فقيرا فيها مشلح الملوك وجعله الحاكم النّاهي… تعب وأثبت بأّنه ذلك " الزّلمي" الذي لم ولن يتزلّم لأحد.

نبّه بأنّ الملوك لن تنفد من الدنيا… لكن الأوطان قد تزول فقال:

"إذا راح الملك بيجي ملك غيرو وإذا راح الوطن ما في وطن غيرو".

كم من أقنعة أسقط وكم من مجامر أشعل…

هو الذي أضاء الشموع كلّها مذيبا شمعته…

أثقل كاهل الكلّ ولم يرزح لموت لم يحن كاهله.

حضن بأنامله يراعا فصار سيفاً…

لملم من أرض لبنان ترابا… فجعله ماساً يلمع حتى في الظلام.

وكانت سفينة الفينيق من خشب أرز الفينيق…

فخاض بها غمار بحار العالم معرّفا بأسلوبه عن الفينيق.

هو الذي رفض كلّ أشكال الذلّ والهوان والرضوخ

وتمرّد على طريقته منذ أن كان "شاويشا" في بلديّة أنطلياس.

ويوم لم تجد صفّارته آذانا لدويّها… كانت كلمته وألحانه الموسيقيّة لتعبق في سماء المسكونة كلّها.

نعم… منصور انتصر على الموت وسيقوم مع من قام في يومه الثالث ليجعله الأوّل في حياة الخلود.

نعم منصور يردّ اليوم الوزنات التي أعطيت له.

نعم إنّ أكتاف منصور لم تنحن الا لأنّها أثقلت بثقل الوزنات التي جمّعها في هذه الأرض.

وها هو سيقف كأرزة على منبر الديّان ليرد ما أعطي له أضعافا وأضعافا.

وإنسانه الباطن الذي تركه في هذه الأرض سيتجدد كلّ يوم لأنّه لم يرسل الى الفناء الا ذلك الظاهر.

نعم لقد مات منصور الرحباني …

لكنّه مات بإيمان وقد رأى ما وعده الله به. واعترف بأنّه ذلك الغريب في هذه الارض. وكما قال بولس الرسول في رسالته الى العبرانيين في الفصل 11 الآيات 14-15-16

" … والذين يقولون هذا القول يبرهنون أنّهم يطلبون وطناً. ولو كانوا ذكروا الوطن الذي خرجوا منه، لكان لهم فرصة للعودة اليه. ولكنّهم كانوا يشتاقون الى وطن أفضل منه. أي الى الوطن السماوي. لذلك لا يستحي الله أن يكون إلههم، فهو الذي أعدّ لهم مدينة".

فوطن منصور ليس هنا … هذا ما كان يحاول تركه في أذهاننا نحن الذين مُشحنا برماد الفينيق وانبعثنا للحياة من جديد.

معك يا منصور الى الوطن السرمديّ الذي لطالما تحضّرت له وعبثا كنت تحضّرنا.

ألا… فانتظرنا لأننا سنحفظ الرسالة…

ولن تكون أوطان الأرض وطننا…

بل نعدك سنحمل لبنان معنا كما حملته على أجنحتك يا فينيق

ولو… بقي فيها ريشة واحدة.

رحمنا الله لابتعادك عنا…

ورحمك لاقترابك منه أكثر فأكثر.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل