استقيلوا… ارحلوا (داود الشريان)
تأمل حالنا. موتنا يكرس زيف السياسة، ويلهم الزعماء خطب الحماسة واعلان انتصارات وهمية. ويتسبب أسر جندي اسرائيلي بإسقاط حكومات، ويهدد أحزاباً بالزوال. هم يحاربون لحماية الناس، وصون كرامتهم، وكسب ودّهم. ونحارب نحن من أجل تكريس صورة الزعيم والمنظمات. اصبحت أرواحنا، وأجساد أطفالنا قرابين رخيصة لأهداف رخيصة. صرنا نحارب من أجل شعارات الأمة والجماعة والحزب والوطن، ونستخف بحياة الانسان. وفي الحرب على غزة، نتحدث عن محاكمة اسرائيل، لكننا لم نطرح سؤالاً واحداً حول من تسببوا، أو فشلوا في حماية البشر في غزة من السياسيين الفلسطينيين والعرب.
لن ننتصر قبل ان نقلب الهرم، ونعطي للانسان قيمة ونحمي كرامته. في الماضي ضيّع المناضلون أموالنا، ومستقبل الانسان الفلسطيني، وحقه في العلاج والتعليم، والعيش الكريم. واليوم صار عليه ان يموت من أجل استمرار هذا العبث. نحن نعيش حالاً من العبث السياسي، مهما حاول السياسيون، وبعض المثقفين تزييف الحقيقة. ففي غزة شنت على الفلسطينيين حرب ملعونة، استخدمت فيها اسرائيل كل أنواع الفتك والقتل والوحشية، واستشهد مئات الاطفال والنساء والآمنين والبسطاء، وجرح وشوّه الآلاف، وتشرد ضعفهم، وتوقفت حياة الناس، وانتشرت المجاعة، وتحول الفلسطينيون الى متسولين أمام المنظمات الانسانية. وفي النهاية عدنا نردد بخطاب سمج اسطوانة المعابر والحدود وخصومات الفصائل والتهدئة ومدتها. أي عبث هذا، وأي جهاد هذا الذي تهون عليه أرواح الفلسطينيين بهذه الجسارة. انصرفوا. استقيلوا. اخرجوا من حياة هذا الشعب. فالعيش تحت الاحتلال خير له من الموت في حروبكم العبثية.
في كل حرب يتوارى الأمل، ويزداد عدد الشهداء والجرحى والمشوهين والملاجئ والمشردين، وتنقص مساحة الارض، وتغص سماء المدن الفلسطينية بقنابل الموت والوحشية، وتتوالد الفصائل والمنظمات والاحزاب، والمؤتمرات، وتتمادى الخلافات العربية، ويبطر الإعلام بالدعاية السياسية. يجب ان نتوقف عن هذه المسيرة المغشوشة، عن هذا العبث. لا بد ان نعاود صوغ ثقافة النضال ضد اسرائيل، لا بد ان يجد الفلسطينيون وجوهاً أخرى غير هذه التي تتصدر المشهد السياسي الفلسطيني. فالقضية تحتاج الى مجاهدين ومناضلين لا سياسيين وتجار كلام.