#adsense

المكابرة أمام الهزائم هي الخيانة بعينها

حجم الخط

الممانعة فشلت في استنزاف الاعتدال العربي خلال العدوان.. فأي مكيدة تحضّرها له الآن؟
المكابرة أمام الهزائم هي الخيانة بعينها

ينبغي أن يقرأ المعتدلون والليبراليّون العرب جيّداً مضامين الرسالة التي وجهها مرشد الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران علي خامنئي إلى رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة إسماعيل هنيّه قبل أيّام وفيها "يجب أن يعلم الخونة من العرب بأن مصيرهم ليس أفضل من مصير اليهود".
أوّلاً، لأنه لا يرد ذكر لـ"العرب" في هذه الرسالة إلا مختزلين في من أسماهم كاتبها "الخونة من العرب"، ما قد يفيد أن الخيانة هي القاعدة في دنيا العرب، والأمانة والوفاء هي الإستثناء.

ثانياً، لأن كاتب الرسالة يَعِدُ من أسماهم "الخونة من العرب" بمصير اليهود، وبما أنّ المهدو آريّ الحجّتيّ محمود أحمدي نجاد قد سبق له أن توعّد إسرائيل بالتهلكة والفناء، وبالمحرقة الحقيقيّة، على إفتراض أن أوشفيتز وداشاو وتربلينكا تلفيقات بحسبه، فلنا أن نسأل بعد ذلك، ما الذي تحضّره قوى الممانعة لمن تصنّفهم بـ"الخونة من العرب"؟

لقد فشلت قوى الممانعة في إستنزاف الإعتدال العربيّ طيلة أيّام العدوان الإسرائيليّ على غزّة، وبقطع النظر عن إعتراضات عديدة يبديها الشارع العربيّ حيال أنظمته، فإنّه أستشعر بالفطرة القوميّة الأولى أنّ حملة الإفتراء العاتية الموجّهة ضد الأنظمة المعتدلة والوسطيّة تفوح منها نار شعوبيّة معادية لأبسط معاني الألفة العربيّة والوفاق العربيّ ومشاركة في تهديد الأمن العربيّ وفي تزويد إسرائيل بذرائع وذرائع كي يظلّ تثبيت الهزيمة القوميّة أمامها متعذّراً عن حدّ بعينه، فنبقى نتجرّع الهزيمة تلو الهزيمة، إنّما نكابر في التسميات.

لكن إذا أمكنت المصادقة على نصر تدّعيه قوى الممانعة وتنسبه لنفسها بعد مأساة غزّة، فسيكون ميسّراً خلع لقب "الفوز الكبير" على هزيمة حزيران 1967، أو "الفتح العظيم" للتستّر على نكبة فلسطين لعام 1948، والحق أن العرب كانوا أقلّ هزيمة غداة نكسة 1967 إذا ما قورنت أوضاعهم وقتها بحالهم اليوم. كان ثمة جمال عبد الناصر وليس محمود أحمدي نجاد. كان ثمة ياسر عرفات وليس خالد مشعل. كان شعار تحرير فلسطين مقترناً بشعارات التصنيع والتنوير وتحرير المرأة، وهذا هو الإختلاف البيّن بين الثورتين المصرية والفلسطينية من جهة، التقدميتين، وبين الثورة الإيرانيّة التي هي أقرب إلى مثال "الثورة المضادة" التي أعادت المجتمع قروناً إلى الوراء وزعزعت الإستقرار في المنطقة إلى حد غير مسبوق.

ما تغير عليه قوى الممانعة التي يقودها المهدو آريّون هو شبكة الأمان العربيّة الأساسيّة، بل أنّ المستهدف قبل كل شيء هو إرتكاز القضية الفلسطينية على حسّ قوميّ، وهذا الحسّ القوميّ لا يمكنه أن يتعامى عن أي خطر يهدّد أمّة الشعوب العربيّة من الشرق بحجّة أنّ هناك خطراً يصليهم بناره من الغرب.

إن التعريض بـ"مبادرة السلام العربيّة" هو التعريض بهذا الحسّ القوميّ الأوليّ لحساب شعوبيّة محمود أحمد نجاد وبشّار الأسد (البعثي سابقاً.. أو هكذا ينتهي البعث في الحضن الإيرانيّ) وليس طبعاً شعوبيّة أبي نواس وبشّار بن برد. فهذه المبادرة، وخصوصاً إذا ما عزلناها عن التشويه السوريّ اللحودي الذي أراد أن يصيبها في قمّة بيروت 2002، هي أوّل إجماع عربيّ محقّق على إمتداد الصراع العربيّ الإسرائيليّ حيال التصور الإيجابي الذي يمكن ابتناؤه للتسوية في المنطقة، وحيال البرنامج الذي على أساسه يخوض الشعب الفلسطينيّ ومعه الشعوب العربيّة النضال من أجل قيام دولة فلسطينية متعايشة مع الدولة الإسرائيليّة ومحميّة بقوانين المجتمع الدوليّ وبالتواصل القوميّ مع الفضاء العربيّ. لأوّل مرة استطاع العرب، ومن خلال هذه المبادرة، الإعتراف بالهزيمة، والتداعي إلى تثبيتها عند حدّ معيّن لا تتجاوزه، للإنصراف بعد ذلك إلى إصلاح دولهم ومجتمعاتهم، لأن الهزيمة لم تكن قوميّة فقط بل حضاريّة بالمعنى الشامل والخط البيانيّ لتجاوزها المستقبليّ يمرّ حكماً عبر معالجة أسباب التأخّر الإقتصاديّ والإجتماعيّ والثقافيّ وإعادة إنتاج منظومة القيم.

إنّ "مبادرة السلام العربيّة" هي الإجماع الوحيد المحقّق في التاريخ العربيّ الحديث حول ما أسماه الرئيس فؤاد السنيورة بالأمس "الحل العربيّ للقضية الفلسطينية"، وكان سبق للرّاحل جوزف سماحة قبل سنوات أن تحدّث عن "الحل العربيّ للمسألة اليهوديّة".

أما مبادرة التخوين الآريّة للـ"خونة من العرب" فستفيد من زمن رديء، زمن الهزيمة المتواصلة جيلاً بعد جيل، من دير ياسين إلى غزّة، والتي لا سبيل إلى إيقافها عند حدّ معيّن، ما لم تردع قوى الممانعة عن غيّها، فهذه القوى تعتبر أن الحيلولة دون توقف الهزيمة عند حد بعينه وجعلها متواصلة بمظاهر وأشكال عديدة، هي النصر بعينه، وحال الممانع في هذا الجانب يصدق فيه ما قاله الشاعر.. "يدعو لأندلس ان حوصرت حلب".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل