ما هي أهداف المتهجمين على رئيس الجمهورية؟
اللبنانيون مدعوون للاتفاق على أي نظام يريدون
ليست المرة الاولى التي ينقسم فيها اللبنانيون حول مواضيع داخلية او خارجية مهمة. فمنذ ان كتب الصحافي المعروف جورج نقاش مقاله الشهير تحت عنوان: "سلبيتان لا تولفان أمة"، تعليقا على ميثاق 43 غير المكتوب، وعلى وصف لبنان بانه "ذو وجه عربي" للتوفيق بين مختلف الآراء حول وجهه، ولبنان يعيش على تسويات بين ابنائه للخروج من الازمات وليس على ثوابت وطنية تمنع نشوبها.
لقد انقسم اللبنانيون بين من يؤيد الانضمام الى جامعة الدول العربية باعتبار ان لبنان هو جزء من العالم العربي ولا مصلحة له في ان يكون خارجها او جزيرة منعزلة، وبين من يعارض الانضمام الى الجامعة لئلا يصبح طرفا في الصراعات العربية عندما يطلب منه ان يصوت مع هذا المشروع او ذاك، وهذا لا يعني عدم التعاون والتنسيق مع الدول العربية، بل ان يكون لبنان مع العرب وهم متفقون وعلى الحياد وهم منقسمون لان لا مصلحة له في دخول لعبة المحاور التي تفتح الباب للتدخل في شؤونه الداخلية، فلو ان لبنان قرّر يومها البقاء خارج جامعة الدول العربية، كي يظل بعيدا عن الخلافات في ما بينها، لكان أرسى اول حجر في مدماك حياده الايجابي، هذا الحياد الذي يجعله يدافع عن القضايا العربية ولاسيما عن القضية الفلسطينية وان يواجه معها العدو الاسرائيلي، لان لا حياد في ذلك انما الحياد هو في القضايا والمواضيع التي يختلف العرب حولها.
وليست المرة الاولى التي يواجه فيها لبنان موقفا حرجا عندما تعصف الخلافات والانقسامات بالدول العربية لتشكل محاور متواجهة بحيث يعتبر حضور لبنان اجتماعا عربيا او قمة او عدم حضوره انحيازا الى هذا المحور او ذاك، واذا صار التصويت حول موضوع مطروح في ظل هذه الخلافات والانقسامات، فإن تصويته يشكل انحيازا لطرف عربي ضد طرف آخر. وها ان لبنان واجه موقفا حرجا في مشاركته او عدم مشاركته في قمة الدوحة، لكنه توصل في مجلس الوزراء الى اتخاذ قرار منطقي ومعقول يقضي بحضور هذه القمة وفقا لميثاق جامعة الدول العربية، اي الذي ينص على اكتمال نصاب عقدها في حضور ثلثي عدد الاعضاء في الجامعة. لكن هذا النصاب لم يكتمل فانقسم اللبنانيون بين مطالب بحضور القمة حتى ولو لم يكتمل النصاب، ومطالب بعدم حضورها اذا لم يكتمل النصاب وذلك تطبيقا لقرار مجلس الوزراء فصار حضوره يشكل انحيازا الى طرف عربي وعدم حضوره يشكل انحيازا الى طرف آخر، فكان ان ارتأى الرئيس ميشال سليمان بحكمته واعتداله واتزانه اتخاذ قرار يوفق بين الموقفين، فحضر قمة الدوحة رغم عدم اكتمال نصابها وجاءت كلمته الهادئة والرصينة في القمة ترضي ضميره ومصلحة لبنان عندما عارض تعليق المبادرة العربية للسلام، لانها تتضمن المطالبة بحق العودة للفلسطينيين، وهي مطالبة اصر عليها لبنان في قمة بيروت العربية وادخلها بندا في هذه المبادرة لان عدم تأمين حق العودة معناه توطين الفلسطينيين في لبنان وهو ما يرفضه جميع اللبنانيين وجميع الفلسطينيين.
لكن اللافت رغم قرار مجلس الوزراء، ورغم حضور الرئيس سليمان قمة الدوحة، ان متظاهرين ممثلين لقوى واحزاب معارضة بقيادة "حزب الله" فيما كانوا يسيرون في اتجاه السفارة الاميركية في عوكر، تعرضوا بهتافاتهم للرئيس سليمان، بحيث يتصور البعض ان الرئيس قرر حضور القمة تحت ضغط المتظاهرين… في حين ان الرئيس اتخذ قراره المتوازن غير متأثر الا بمصلحة الوطن، ولانه رئيس توافقي وليس رئيس طرف ضد طرف آخر، وسيظل يمارس سياسة الوفاق والتوفيق والوقوف مع مصلحة البلاد العليا كما فعل في الدوحة، شاء من شاء وابى من ابى… الا ان الهتافات التي اطلقها بعض المتظاهرين، اثارت علامات استفهام وتساؤلات حول أبعادها ومراميها منها:
اولا: هل يريد بعض قوى 8 آذار والمتحالفين معها الدخول في مواجهة سياسية مع الرئيس سليمان لثنيه عن دعم المرشحين المستقلين او الوسطيين في الانتخابات النيابية المقبلة، كي لا يشكل منهم كتلة تدين له بالولاء، فيسهل عندئذ على هذه القوى تطويعه واخضاعه لارادتها؟
ثانيا: هل المقصود بهتافات من هتفوا ضد الرئيس سليمان ان يفهموه ان القرار في القضايا المهمة ليست للسلطة ولا حتى لمجلس الوزراء، وان كانت تتمثل فيه كل القوى والتيارات، بل للشارع… وان القرار هو له؟
ثالثا: هل المقصود افهام من يجب افهامهم ان قوى 14 آذار وان فازت بالاكثرية النيابية في الانتخابات النيابية المقبلة، فان القرار لن يكون لها بل للاقلية المسلحة، وان على الرئيس سليمان ان يفهم ذلك عند اتخاذ القرارات، والا فلن ينعم عهده بالهدوء والاستقرار…
لقد حكمت الاكثرية في الماضي وعارضت الاقلية عندما كانت تمارس الديموقراطية ممارسة صحيحة، ولم تكن قد اكتُشفت بعد بدعة "الديموقراطية التوافقية" التي اكتشفت اليوم، وعندما شوه النظام الديموقراطي في لبنان لمصالح ذاتية او خارجية، اخذ الشارع يقوم مقام المؤسسات، فلا ديموقراطية عددية تطبق، ولا ديموقراطية توافقية، بل اقلية شرسة ومتطرفة تفرض رأيها على الاكثرية المعتدلة فتقبل هذه مكرهة بما تريده هذه الاقلية حرصا على سلامة لبنان ووحدته وكيانه. فكان ان فرض "اتفاق القاهرة" بقوة الشارع الفلسطيني ومن معه من اللبنانيين، واسقط اتفاق 17 ايار تحت ضغط الشارع رغم موافقة مجلس النواب عليه بشبه اجماع، وفرض "اتفاق الطائف" على فئة رغم معارضة فئة اخرى، ولم يكن ثمة توافق عليه وهو ما تدعو اليه قوى 8 آذار ولا تعمل به عندما تفرض رأيها بالتهديد والوعيد، ولأنها قوى تضم احزابا مسلحة ومدعومة من سوريا وايران، فانها استطاعت ان تفرض على الاكثرية انتخاب الرئيس نبيه بري رئيسا لمجلس النواب من دون سواه، وان تفرض تسمية الوزراء والحقائب عند تشكيل الحكومات وان تفرض من تريد في وظائف الفئة الاولى، وان تفرض بقاء الرئيس اميل لحود في منصبه حتى نهاية ولايته الممددة، وان تمنع تشكيل حكومة جديدة عند انسحاب الوزراء الشيعة منها وتحول دون تعيين بدائل منهم، وان تفرض اغلاق ابواب مجلس النواب في وجه نواب الاكثرية، وان تحمي اعتصاما في قلب العاصمة وما ألحق من خسائر وان تحول دون انتخاب رئيس للجمهورية من قوى 14 آذار، وان تحصل على "الثلث المعطل" في حكومة الوحدة الوطنية بعد عرض للقوة في احداث 7 ايار، وان يعتمد قانون 1960 المثير للعصبيات المذهبية والطائفية في الانتخابات النيابية المقبلة، ولا شيء يمنع هذه الاقلية اذا ظلت مسلحة من ان تفرض رأيها وقرارها على الاكثرية التي ستنجح في الانتخابات كما فعلت على مدى سنوات، وقد لا تتوانى حتى عن التهجم على الرئيس التوافقي لتفرض عليه قراراتها المستوردة…
لذلك ترى اوساط سياسية وجوب التفاهم على اي نظام نريد للبنان. هل نريد النظام الجمهوري البرلماني الديموقراطي، الذي تحكم فيه الاكثرية والاقلية تعارض، ام نريد النظام "الديموقراطي التوافقي" وان كان "بدعة" يقولون بها ويتصرفون عكسها، بحيث لا يعود للاكثرية ولا للأقلية حق اتخاذ قرارات في القضايا والمواضيع المهمة والاساسية الا بموافقتها. إن لبنان لن يعيش بأمن وأمان واستقرار مع وجود سلبيتين لا تؤلفان امة، بل امما وشعوبا ودولا ضمن الدولة الواحدة، وليس سوى الاتفاق على اي نظام نريد للبنان كي تتكون ايجابيتان تؤلفان عندئذ امة واحدة وشعبا واحدا ودولة قوية واحدة.