بين الدوحة وشرم الشيخ
… قد نكون مضطرين للمقارنة بين مؤتمر الدوحة ومؤتمر شرم الشيخ، ليس بالطبع للانتقاد ولكن لأخذ العبر، وكنا نتمنى ألا يتسرّع امير قطر ويقرر القيام بخطوة ناقصة، وكأن الهدف منها القول إن قطر أصبحت دولة قادرة على اتخاذ القرار بمعزل عن الأشقاء، ولكن حجم قطر وتأثيرها ليسا بحاجة لشرح، لانه معروف للقاصي وللداني، ولكنها عندما تصرفت بما تصرفت فكأنها أرادت القول – خصوصاً لدول القرار العربي، وتحديداً مصر والمملكة العربية السعودية – اننا اصبحنا في سن رشد، ونحن دولة، ونستطيع القول والعمل كما نريد.
.. لقد ذهب القطريون الى أبعد من ذلك عندما جاؤوا بالرئيس الايراني محمود احمدي نجاد لمجرّد التغطية، ولكن حتى ولو كان وجود ايران في المؤتمر بصفة مراقب، فان الثمن سيكون مرتفعاً للغاية، ولا نعتقد ان غاز قطر سيكفي لسداد الفاتورة.
وعلى كل حال، فإن مقارنة ما جرى في الدوحة بمؤتمر شرم الشيخ هو جائر، إذ ان مؤتمر الدوحة اتخذ قرارات، منها، تجميد علاقة قطر بإسرائيل، والمطالبة بإلغاء مبادرة السلام العربية، والطلب بانسحاب اسرائيل من غزة، وفتح المعابر.
… هذه العناوين العريضة كان من الممكن صياغتها بطريقة أفضل، وليس بالتسرّع الذي بدا واضحاً في مضامينها، والمطالبة بإلغاء مبادرة السلام العربية كان من الممكن ان يكون ذا مغزى لو اقترح المؤتمرون علينا خطة بديلة، إضافة الى ان مثل هذا الطلب يلبي مطلباً اسرائيلياً، ويظهر العرب أمام العالم كله انهم دعاة حروب لا دعاة سلام، وهذا ما تنبه إليه الرئيس اللبناني ميشال سليمان عندما تحفظ عن هذا البند.
.. الإجرام الاسرائيلي في هذا المعنى ليس جديداً، فمن مجزرة دير ياسين الى مجزرة صبرا وشاتيلا وقانا الاولى والثانية والمنصوري، وصولاً الى مجازر غزة، كلها وغيرها مجازر بشعة للغاية، ومخالفة للقوانين والشرائع الدولية، ووضع حد لمثل هذا الإجرام لا يكون بشعارات فضفاضة، ومزايدات رخيصة على الاطلاق، بقدر ما ان المطلوب عمل دؤوب ومدروس، ومبادرة السلام العربية والتي أعلنت في قمة بيروت، هي بصورة أساسية لفضح اسرائيل، حتى يدرك العالم كله أنها ليست مستعدة أبداً لتحقيق سلام عادل وشامل في المنطقة، وما موافقة اسرائيل على وقف اطلاق النار في غزة ومن طرف واحد إلا مناورة خبيثة، المراد منها دفع الجميع الى عدم الحديث عن السلام، ونتمنى ألا يكون هذا الإعلان حجة تستغلها اسرائيل في المستقبل لتغطية جرائم جديدة في غزة، وربما في غيرها.
.. اما في شرم الشيخ، وخلافاً لقمة الدوحة، فإن القمة الدولية هذه التي دعا إليها الرئيس المصري حسني مبارك كانت جامعة بحضور بارز للقادة الاوروبيين، وللأمين العام للأمم المتحدة بان كي-مون، والرئيس التركي عبدالله غول، والعاهل الاردني عبدالله الثاني، والرئيس الفلسطيني محمود عباس.
.. هذه القمة الدولية أكدت دعم المبادرة المصرية لتثبيت وقف اطلاق النار، وضمان الانسحاب الاسرائيلي من غزة، وفك الحصار، وفتح المعابر.
إضافة الى تعهد اوروبي بالمساهمة في إعادة إعمار ما دمرته الحرب الاسرائيلية، والتوجه فعلياً لمساعدة أهالي غزة في المجالات كافة.
لقد استطاعت مصر – وخلال ساعات اربع – أن تجمع اوروبا وتركيا لنجدة غزة، والمساعدة في الضغط على اسرائيل للتوقف عن إجرامها.
ولا بد أن ندرك أن لا أحد في العالم يستطيع أن ينكر حجم مصر ووضع غزة بالنسبة لأمنها القومي، واما انتقاد الرئيس مبارك لأصحاب الخطب الرنانة والشعارات الفارغة فهؤلاء على ما يبدو ساءهم تحرك الرئيس المصري الكثيف لإنقاذ غزة، لانهم يريدون ان يحاربوا حتى آخر فلسطيني في غزة.
وأيضاً، فإن قمة شرم الشيخ الدولية جاءت قبل ساعات من انطلاق القمة الاقتصادية العربية في الكويت، والتي ستركز على تطورات الوضع في غزة، والواضح من خلال قرار مؤتمر وزراء الخارجية العرب، الذي أوصى القمة بـ5.2 مليار دولار لإعادة إعمار غزة، ان قمة الكويت ستأخذ على عاتقها العمل لإعادة البناء والإعمار، ولكننا في الوقت عينه لا يسعنا إلا الاسف الشديد، لان هذه الحرب لو لم تقع لكان من الممكن رصد هذه المبالغ لتطوير الوضع الفلسطيني بصورة عامة.