#adsense

أبعد من ضجيج تقليدي

حجم الخط

أبعد من ضجيج تقليدي

مع كل الضجيج الذي أثارته قضية مشاركة رئيس الجمهورية ميشال سليمان في قمة الدوحة، تغدو الحسابات اللبنانية المستعجلة كأنها تدور في جزيرة معزولة عن الحدث الأم الذي لا تزال فصوله مفتوحة على مزيد من التطورات مع وقف النار الاسرائيلي الاحادي في غزة.

واذا كان من الجائز مجاراة المستعجلين هذا النوع من الحسابات لافتعال مكاسب وخسائر دعائية، فان الزاوية الواقعية الوحيدة التي يمكن عبرها معاينة المشهد اللبناني بعد ثلاثة اسابيع من المحرقة الاسرائيلية في غزة تبرز مفارقة ايجابية يجري تغييبها تماما وسط تصاعد الضجيج المفتعل لمآرب مختلفة.

ففي المعايير النسبية على الاقل التي لا يمكن قياس المشهد اللبناني الا من ضمنها باعتبار ان لبنان يجتاز اصلا مرحلة انتقالية تحكمها تسوية هشة، خرج لبنان حتى الآن بحد ادنى من الانعكاسات السلبية التي كان يمكن ان تكون اشد فداحة لو قيست بكل التجارب السابقة للحروب الاسرائيلية عليه وعلى الفلسطينيين. غالبا ما كانت الدماء تسيل في لبنان عند اي اشتعال لحرب او مشروع تسوية في المنطقة، حتى لو لم يكن هو مستهدفا مباشرة بهما ولم يكن ضمن بنك الاهداف العسكرية الاسرائيلية. هكذا حصلت انفجارات ضخمة مريعة عقب سلام كامب ديفيد وعقب تسوية اوسلو وعشية مؤتمر مدريد وعقب الحرب على غزة عام 2006. تلك الانفجارات والزلازل الداخلية كانت ارتدادات دموية اضافية لم يكن لبنان فيها ساحة اجتياحات مباشرة على غرار اجتياح الليطاني ومن ثم اجتياح 1982 ومن بعده محارق اخرى كثيرة مثل عناقيد الغضب وحرب تموز 2006.

المعيار الجاد الحقيقي هذه المرة لا يستقيم الا من معاينة الوضع اللبناني بكل عناصره الامنية والعسكرية والسياسية في التماسك امام محرقة غزة من دون إلحاق لبنان كفصل تلقائي مرشح للانضمام سريعا الى الحدث الدموي. بذلك فقط يمكن النظر الى نقلة ليست امرا عابرا في مساره الداخلي ولو ان حبل الارتدادات لا يزال في بدايته ويوجب البقاء على حذر شديد اقله في انتظار مآل التطورات العسكرية والديبلوماسية الآتية في الاسابيع المقبلة.

ربما يحلو للبنانيين ان يصدقوا انهم نجوا هذه المرة من المعادلة القاتلة التي كانت تشعل النيران عندهم وتسيل الدماء لدى اي احتدام بين المطرقة الاسرائيلية والسندان العربي – الاقليمي. وسيحلوا لهم اكثر ان يصدقوا ان قواهم السياسية على رغم انقسامها العمودي وتلهفها لتصعيد اي تطور في تعزيز المواقع قبيل الانتخابات النيابية، تلتزم تسوية سياسية في حدودها الدنيا رغم كل التشويش والحوربة الوهمية، كما تلتزم ايضا بصراحة واضحة لا لبس فيها منع توريط لبنان في مواجهة مدمرة والتحصن وراء القرار الدولي 1701 الذي لم تطح به الصواريخ الهائمة والمجهولة المفلتة من زوايا العتم في الجنوب ولا تمكنت اسرائيل من اطاحته رغم خرقها المتكرر لهذا القرار.

مع هذه الحصيلة الجادة التي يجب ان تقاس دوما بازاء التجارب السابقة، لا يغدو الجدل "البلدي" حول مشاركة في قمة من هنا وقمة من هناك سوى عارض من عوارض الحمى اللبنانية التقليدية التي ستنتاب لبنان بشدة اكثر تباعا كلما اقترب من استحقاقه الانتخابي. وفي اي حال فان هذا العارض لم يخرج بحصيلته الهامشية الا بترسيخ واقع التوازن السلبي بين مشاركة لرئيس الجمهورية في "قمة محورية" تحت وطأة ضغط فئة داخلية وموازنة هذه المشاركة بتحفظ عن تعليق المبادرة العربية. لم يضف هذا التطور شيئا الى واقع لبنان كما لن ينقص منه شيئا، في معايير الصراعات الكبيرة المتحكمة بحرب غزة فكيف بوضعه الهش المعروف. وحين تدور المواجهات في قمة الكويت ستظهر المفاعيل المجانية لهذا العارض اللبناني. فالعرب لم يعودوا في حاجة الى اللبنانيين لخوض معاركهم بالواسطة، بعد المنقلب الاسود الذي صار فيه سائر العرب. واللبنانيون رغم ابتلائهم بحرب المحاور لم يذهبوا فيها الى حد الانتحار هذه المرة. ولا بأس بضجيج يموّه حقيقة اذا كان يصعب على البعض الاعتراف بها الآن.

المصدر:
النهار

خبر عاجل