"تداعيات" ما بعد العدوان على غزة .. لبنانياً
لم يكن مفاجئاً لأحد، لا في الداخل اللبناني ولا حتى في الخارج، لجوء الأقلية ـ المعارضة سابقاً ـ الى تحميل الدولة والرئيس ميشال سليمان شخصياً عبء "انهاء العدوان على غزة"، وتحديداً من خلال قمة تباينت الآراء العربية حولها الى حد أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، المفترض أنه المسؤول الأول عن هذا العبء، لم يجد أمامه سبيلاً الا أن يغيب عنها.
تماما كما لم يكن مفاجئاً أن يستذكر المتظاهرون من "حزب الله" الذين توجهوا الى السفارة الأميركية "أيام لحود"، بما فيها أساساً الأشهر الستة التي تلتها وأدخلت البلاد في فراغ رئاسي ونيابي، باعتبارها أيام الوصاية على لبنان واللادولة فيه، لأنه كان خلالها ساحة مفتوحة ليس لممارسة النفوذ الاقليمي فقط بل كذلك لمواصلة عمليات تفجيره من الداخل من جهة واطلاق الصواريخ منه عبر الحدود من جهة ثانية.
فهذا هو لبنان الأقلية، عفوا لبنان المقاومة والممانعة، والا فلا لبنان ولا من يحزنون!.
وحالياً، فعندما يكون العنوان حركة "حماس" (وليس غزة أو فلسطين كما يعلو الصراخ في العلن) كونها الأخ الشقيق في العائلة الواحدة، عائلة "المقاومة والممانعة"، والراية المرفوعة فوق الخيمة التي تقيمها، يصبح لبنان الدولة والشعب والوطن (فكيف بالرئاسة والرئيس؟!) آخر ما تفكر به هذه الأقلية.. حتى لا نتحدث عن رعاتها في كل من دمشق وطهران.
في ضوء ذلك، فضلاً عن الاعتصامات اليومية عند مداخل السفارة المصرية والحملة المنسقة على المملكة العربية السعودية، تكون الأقلية قد انتقلت في واقع الأمر من مرحلة الى مرحلة أخرى… من "توافق" ما بعد "اتفاق الدوحة" الذي أدى الى انهاء الاعتصام وفتح مجلس النواب وانتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل "حكومة وحدة وطنية"، الى "الانقلاب" على هذا الاتفاق والعودة بالبلاد مجددا الى ما وصفته الأقلية دائما بـ"الانتصار" عبر ما وصفته دائما كذلك بـ"تغير موازين القوى" نتيجة غزوة 7 و 8 أيار.
والرغبة المبيتة بتنفيذ هذا الانقلاب ليست جديدة في أي حال.
أليست كلمة "التوافقي" التي لم تترك قيادات الأقلية، وفي مقدمها الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، مناسبة الا وألحقتها باسم رئيس الجمهورية ("الرئيس التوافقي") في كل مرة كانت تتوجه فيها اليه بنداء أو خطاب، مؤشرا الى ذلك؟. وألا يعني ما شهده القصر الجمهوري والشارع عشية لقاء الدوحة التشاوري، "القمة بمن حضر" حسب الرئيس السوري بشار الأسد، أن مفهوم "التوافق" في عرف هذه الأقلية انما ينطبق فقط على ما "توافق" هي عليه من دون النظر الى أي موقف آخر؟!.
ثم ألم تسبق الحملة السياسية ـ الاعلامية على السعودية والتظاهرات ضد السفارة المصرية العدوان على غزة بأيام ان لم يكن أسابيع، وكانت قد بدأت قبل ذلك في مدن ايران وسوريا في الوقت الذي كانت فيه القاهرة تحاول ابعاد الكأس المرة عن أهالي غزة وحتى عن "حماس" نفسها؟!.
واقع الحال أن أطراف ما يسمى بـ"جبهة المقاومة والممانعة"، و"حزب الله" على رأس الأقلية النيابية اللبنانية جزء منها، وجدت في العدوان الاسرائيلي على غزة فرصتها الذهبية للهجوم في معرض الدفاع عن نفسها. ولأن هذا العدوان كان همجياً منذ اللحظة الأولى وبكل المقاييس، كما أنه طاول الآلاف من أطفال فلسطين ونسائها وشيوخها، فقد عملت أطراف هذه الجبهة ـ وكل من موقعه وبأسلوبه ـ على استغلال ورقة العدوان في وجه من تعتبره خصماً لها.
أكثر من ذلك، فقد بدا واضحاً في مسلك هذه الأطراف، بما فيها الأقلية في لبنان فضلاً طبعاً عن "حماس"، أنها عمدت الى اختصار العدوان الاسرائيلي كله في نقطة واحدة: فتح معبر رفح بين غزة والأراضي المصرية. أما حديث "التخوين"، الذي يبدأ بالتآمر مع المعتدي وتغطية العدوان ولا ينتهي عند الاتهام بالمشاركة الفعلية، فذلك من المتاع الجاهز دوما والذي استعمل في عدوان العام 2006 وأعيد استعماله هذه المرة، وحتى بالكلمات والعبارات نفسها، أيضا.
لكن ما سبق، على أهميته، ليس موضوعنا اليوم. موضوعنا هو أن تداعيات الحرب في غزة من جهة، وما سبقها ورافقها في لبنان من جهة ثانية، تفرض على اللبنانيين أن يحزموا أمرهم انتظاراً لمرحلة جديدة تماماً ليس في المنطقة فحسب وانما في لبنان أيضا، بل في لبنان تحديدا، وذلك لأسباب متعددة كما يأتي:
أولاً: ان ما يسمى بـ"جبهة المقاومة والممانعة" لم تملك ما تقدمه للشعب الفلسطيني في غزة، وحتى لغطائها الفلسطيني "حماس"، الا المزايدة في الخطاب السياسي بينما تركت لغيرها ـ بما في ذلك دول الاعتدال التي تتهمها بالخيانة ـ حتى المساعدات الانسانية لأهالي القطاع المنكوب. ولأن قاعدة المزايدة تقوم على الزيادة مرة بعد مرة، فلن يكون نافلاً تصعيد وتيرة خطاب التخوين عربياً ولبنانياً، ولا ربما سماع أصوات طلقات نارية كتلك التي ترددت في الجولان أو أزيز صواريخ كذلك الذي سمع في جنوب لبنان في أثناء الاعتداء على غزة. وفي كل حال، فقد استبق السيد حسن ذلك كله بالاعلان منذ ساعات العدوان الأولى ان حديث "الاستراتيجية الدفاعية" قد انتهى، من وجهة نظره، الى النقطة التي بدأ منها في ربيع العام 2006: مقاومة "حزب الله" لا أقل ولا أكثر.
وعلى المستوى العربي، لا يفيد نعي الأسد لمبادرة السلام العربية وصدور توصية بهذا المعنى عن لقاء الدوحة الا القول ان البديل في الفترة المقبلة سيكون محاولة حشر شعوب المنطقة في زاوية "المقاومة والممانعة".
ثانياً: بعد محاصرة حركة "حماس" في غزة، أو أقله تجفيف مصادر تسليحها بالحد الأدنى، لا يعود في يد الممانعين سوى "حزب الله" وبعض الفصائل التي ترفع علم فلسطين في لبنان ـ خارج المخيمات أساساً، وحتى داخلها ـ بما يجعلها جميعاً، ويجعل التعامل اللبناني السيادي معها في المستقبل، حزمة من المشكلات التي تهدد وفق ما بات اعلامها يقول علناً ليس اتفاق الدوحة فحسب بل "الوفاق الوطني" كما تفهمه هذه المنظمات ورعاتها في طهران ودمشق.
وعندما توصف محصلة العدوان على غزة بأنها "انتصار" للمقاومة ولأسلوبها في التصدي للعدو، وقد بدأت توصف كذلك حتى من قبل وقف اطلاق النار الاسرائيلي الاحادي، فمن شأن النقاش اللبناني أن يأخذ اتجاهاً متشدداً لهذه الناحية سواء داخل مجلس الوزراء أو على طاولة الحوار الوطني.
ثالثاً: الأخطر من ذلك كله، أنه ربما يكون مطروحاً في المرحلة المقبلة ليس مستقبل عمل الحكومة الحالية المشكلة بموجب "اتفاق الدوحة" بل مجرد بقائها، ومصير الانتخابات النيابية المقررة مطلع شهر حزيران المقبل، وحتى الهدوء النسبي الذي ساد البلاد حتى الآن سواء في الجنوب أو في غيره من المناطق اللبنانية. .. واللبنانيون، قبل غيرهم بل ومن دون غيرهم، مطالبون بحماية بلدهم وسلمهم الأهلي النسبي منذ الآن…