#adsense

اوباما: بين المنتظر والممكن

حجم الخط

اوباما: بين المنتظر والممكن

أقل ما يمكن أن يوصف به يوم غد الثلاثاء في واشنطن بأنه يوم تاريخي. ليس فقط بسبب تولي أول رجل اسود في تاريخ الولايات المتحدة مقاليد الرئاسة، بل ايضاً بسبب الشخصيات التاريخية التي أراد باراك اوباما ان «ترافقه» الى العاصمة الاميركية. لقد اختار أن يسلك الى واشنطن طريق القطار التي سلكها ابراهام لنكولن، وأراد ان يذكّر الاميركيين بأنه يرث وضعاً اقتصادياً سيئاً يشبه ما ورثه فرانكلين روزفلت عام 1932 الذي جاء بشعار: عادت الايام السعيدة الى اميركا، مقارنة بشعار «التغيير» الذي ميّز حملة اوباما، الى جانب مصادفة احتفالات التنصيب مع ذكرى مولد مارتن لوثر كينغ صاحب الشعار الشهير «لدي حلم»، الذي يمثل انتخاب اوباما خطوة مهمة في طريق تحقيقه.

من الصعب أن نتذكر رئيساً لاميركا في تاريخها القريب، حمل معه الى المنصب هذا القدر من الأمل الذي يحمله وصول اوباما. الامل بأن اميركا تغيرت، فانتقمت من نفسها لاختيارها جورج بوش رئيساً لها للسنوات الثماني الماضية. والأمل بأن اوباما سينظر الى العالم نظرة تزيد فيها الرغبة في التفاهم على الميل الى الاستعداء، بعيداً عن شعار «إما معنا أو ضدنا» الذي ميّز الحقبة السابقة. والامل بأن العالم من جهته، بما فيه عالمنا العربي، سيتعاطى مع انتخاب هذا الرجل على انه رغبة من الشعب الاميركي في المصالحة مع الآخرين، تحمل ضمنها ميلاً الى الاعتذار عن الحروب التي خاضتها اميركا في الخارج، والسياسات الهوجاء التي اتبعتها، وهي رغبة لا بد ان ينتظر الاميركيون ان يبادلهم العالم بمثلها.

ليس من المبالغة القول ان الامتحان الأول والأصعب الذي سيواجهه اوباما سيكون مع أزمات المنطقة العربية وما خلفته حرب جورج بوش على الارهاب من آثار على علاقات اميركا بالعالم الاسلامي. وقد يكون من الحكمة ان اوباما اختار الصمت الذي لامه كثيرون من العرب عليه، خلال الحرب الاسرائيلية الطاحنة على غزة. وقد يكون «العتب على قدر المحبة» كما يقال. لكننا في منطقتنا لا نميز عادة بين من يتولون المسؤولية، ويملكون بالتالي حق اتخاذ القرار، وبين من ينتظرون دورهم للوصول. ولذلك كان صعباً ان نفهم معنى ما كرره اوباما اكثر من مرة من ان «لاميركا رئيساً واحداً». لكن هذا الرئيس الذي يتولى المسؤولية غداً لن يملك أعذاراً بعد الآن، وسوف يحاسبه العرب على مواقفه من الارتكابات والمجازر، بحيث تكون هذه المواقف بارقة امل جديدة او خيبة امل مدوية. وهنا ستكون قدرة اوباما على اتخاذ مواقف واضحة من الاعتداءات الاسرائيلية حاسمة في الامتحان.

لقد وعد اوباما بالانفتاح على المسلمين وبأنه سيوجه خطاباً لهم من عاصمة بلد اسلامي خلال المئة يوم الاولى من عهده. كما ذكر في حديث معه أخيراً انه يعتبر انتخابه فرصة نادرة لاميركا كي تعيد تصحيح صورتها في العالم وعلى الأخص في العالم الاسلامي. ومع ان التركة هنا ثقيلة الا ان بوادر الخطوات الاولى مشجعة، من الرغبة في اغلاق معتقل غوانتانامو ومنع ممارسات التعذيب في التحقيقات الى طي صفحة التدخل الاميركي في العراق الذي كان اوباما معارضاً له منذ البداية.

لكن الأزمتين اللتين ستواجهان اوباما في هذه المنطقة تتمثلان بقضيتين: المواجهة المستمرة في افغانستان وملاحقة تنظيم «القاعدة». وفي هذه المواجهة لا يتميز موقف اوباما كثيراً عن موقف ادارة بوش، ان لم يكن أكثر تشدداً حيال ملاحقة قادة هذا التنظيم. مع ما يعنيه ذلك من الحاجة المستمرة الى الاجراءات الامنية والمواقف السياسية التي تميز بها سلوك إدارة بوش خلال مواجهتها الطويلة مع ابن لادن وتنظيمه.

اما الأزمة الثانية فهي المواجهة المستمرة مع النظام الايراني التي تحوّلت بسببها ازمات المنطقة العربية، بما فيها النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي، الى ساحة مفتوحة لها. لقد وصف احد المعلقين الصراع بين اميركا وايران بأنه يشبه «الحرب الباردة» التي كانت قائمة بين اميركا والاتحاد السوفياتي. ومع ان هناك مبالغة في هذه المقارنة لناحية الحجم الايراني، الا أن القدرة الايرانية على تعطيل الحلول لا يشبهها الا الدور المتفرج والمستثمر لأزمات المنطقة الذي كانت تلعبه موسكو في زمن غابر.

في النزاع الايراني ايضاً لن نشهد فارقاً كبيراً بين موقف اوباما وسياسة إدارة بوش. فأي تغيير هنا سيتوقف على السلوك الذي سيعتمده الايرانيون حيال الملف النووي العالق. واذا كان الرئيس الايراني احمدي نجاد ينتظر تغييراً في السياسة الاميركية نحو ايران، فإن الرئيس الاميركي الجديد الذي رفع شعار التغيير ينتظر من جانبه موافقة ايرانية على القرارات الدولية، بحيث لا يبقى البرنامج النووي الايراني مصدراً للقلق، ولا تستمر التدخلات الايرانية أحد عوامل عدم الاستقرار في المنطقة.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل